الثلاثاء، 8 يوليو، 2014

زحمة يا سجن زحمة

في فبراير/ شباط الماضي قام اللواء أبو بكر عبد الكريم، مساعد وزير الداخلية لقطاع حقوق الإنسان، بمداخلة هاتفية مع برنامج "مانشيت"، عرض من خلالها المُذيع "جابر القرموطي" عليه ملف التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان في السجون المصرية وأقسام الشُرطة، وقرأ على مسامع سيادته جزءً من مقال خالد السَيِّد –المُفرَج عنه- الذي يحمل عنوان "هذا ما حدث معي" المنشور في نفس الشهر ويحكي فيه عن شهادته الشخصية وما شاهده وتعرض له من انتهاكات في غضون فترة احتجازه. وطبعاً كان رد سيادته –كأي مسئول في مصر- إن مكاتب حقوق الإنسان بوزارة الداخلية مفتوحة على مصراعيها لكافة المواطنين لتقديم الشكاوى وأنه ربما يكون قد حدث تجاوزاً أو سوء معاملة مع الأخ خالد لكن وبكل تأكيد لم يكن بهذه الصورة لأن السجون لم يكن فيها ما حكاه في الخمسينيات والستينات حتى –على أساس إننا دلوقتي أحسن حالاً يعني-. وقبل ذلك كله أكد سيادة اللواء أن المساجين في مصر يتمتعون بمعاملة إنسانية فائقة ورعاية تأهيلية وصحية واجتماعية وترفيهية، وأضاف سيادته أن ثمة (كافيتيريات) تم انشاؤها داخل السجون كي يأكل منها المسجون في حال إذا لم يكن على مزاجه أكل السجن.

على صعيد آخر، أو على نفس الصعيد –لا أدري-، أدلى مصدر أمني لجريدة الوطن بتصريح لها في أواخر الشهر الماضي يونيو/ حزيران يقول فيه أن سبب ارتفاع معدلات الوفيات في الأقسام هو الازدحام وسوء التهوية، ونفى المصدر حدوث أية انتهاكات أو تعذيب للمتهمين داخل أقسام الشُرطة لا سمح الله، ولم يتبع ذلك التصريح المجهول المصدر أي اثبات أو نفي أو تعليق من قبل وزارة الداخلية.


طَيِّب.. يا أيها المصدر الأمني المجهول الذي ينفي حدوث انتهاكات داخل الأقسام بعد أن أقر بوفاة العديد من السجناء بسبب الازدحام وسوء التهوية، اسمح لي أن اسأل، أولاً إن لم يكن في ما ذكرته انتهاكاً واضحاً صارخاً لحقوق الإنسان، فأي اتنهاكات تلك التي تنفي حدوثها ؟ أهناك نتائج لانتهاك الآدمية أكثر جسامة من لقاء وجه رب كريم ؟ ثانياً وبافتراض أن أقسامنا خالية من حفلات التعذيب والضرب وإن المُشكلة كلها في الزحمة وسوء التهوية، مَن المسئول ؟ أليست وزارة الداخلية ؟ أم أن تلك المُشكلة حلها عند فروع كُشري التحرير مثلاً ؟


في مطلع الشهر الجاري "يوليو/ تموز 2014" أطلقت منظمة العفو الدولية تقريراً يُفيد بأن هناك تراجعاً كارثياً لحقوق الإنسان في مصر معتمدة في ذلك على التقديرات الرسمية التي نشرتها "وكالة أسوشييتد بريس" في مارس/ آذار التي تُفيد بأن المعتقلين في مصر أكثر من 16.000 معتقلاً، وهو رقم ضئيل نسبة إلى تقدير "ويكي ثورة" – مبادرة يقوم عليها المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية- الذي يفيد بأنه تم اعتقال 40.000 شخصاً  ما بين يوليو/ تموز 2013 ومنتصف مايو/ أيار 2014 بينما توفي ما لا يقل عن 80 شخصاً في الحجز على مدار السنة الماضية.

وتعليقاً على تلك التقارير قال مساعد وزير الداخلية لحقوق الإنسان –نفسه- في مداخلة مع برنامج "مانشيت" أنها لها أغراض أُخرى وإن تقرير منظمة العفو الدولية مليء بالمغالطات والمُبالغات، ونفى سيادته أن يكون لدينا 16.000 معتقلاً، بل ونفى أن يكون لدينا مُعتقلين من الأساس.

وفي حين نخوض نحن هنا في هذا الكم من اللغط منذ عشرات السنين، كان معدل الجريمة في "السويد" قد تراجع بشكل ملحوظ مما دفع الدولة لإغلاق أربعة سجون بالضبة والمُفتاح. كما قامت "هولندا" بتحويل أحد سجونها إلى فندق 5 نجوم. (يا كافيتيريات سجونك يا مصر.)
---
غضب "سيد كورن فليكس"  حين أخبرته بموضوع مقالي، وكان أكثر ما يغضبه هو تعدد مصادري في المقال دون الرجوع له "كمصدر له خبرة وتجربة لا يستهان بها في هذا الشأن"، فأخبرته بأنني -وحياة الشاي والبقسماط اللي بيننا- مانسيته وإني ماعرفش إن له خبرة في الموضوع ده. هدأ سَيِّد واقتنع وأحضر لنا طبقين كورن فليكس حتى يحلو الكلام ويروي لي قصته.

لم يحكِ لي موضوع احتجازه من قبل، حيث أنه تار قديم بينه وبين عم أحمد "أُسطى ورشة النجارة" الذي رآه سيد ذات يوم يضرب أحد صبيانه بشراسة ففار الدم في عروق "كورن فليكس" وجَرَّد المعلم صاحب الهيبة والشنبات الفخيمة من بنطاله في قلب الشارع ورَوَّحه بيته ملط، فاستحلف من يومها لـ"سّيِّد" وتسبب في إيداعه السجن بمساعدة أخيه أمين الشرطة، مُتهماً إياه بعقد صفقة غير شرعية مع موزع التموين في المنطقة جعلته يحصل على شاي وسكر التموين لقهوته، كما اتهمه بأنه يغش زبائنه في القهوة ويضع لهم "نشارة خشب" بدلاً من تفل الشاي، ولم يكُن سَيِّد يعلم حينها أن هناك تهمة في القانون للـ"نتانة والاستخسار" مع العلم بأن كُل ذلك محض تلفيق. هكذا.. دخل كورن فليكس الحجز لأول مرة في حياته.

كانت الزنزانة مُزدحمة أكثر من شقتهم يوم طهور أخاه الصغير وضيقة، وكان للزنزانة كبير يُسَيِّر أمورها وله كلمة نافذة على الجميع، واستنبط "كورن فليكس" أن كبير الزنزانة يُعَيَّن بالأقدمية المُطلقة، مما جعله يتفاءل بالمستقبل الرحب الذي ينتظره ويقتنع بأن الدنيا –أخيراً- بدأت تضحك له حيث قرر أنه سيحاول البقاء في هذا المكان إلى أن ينصفه ذلك السلم الوظيفي الفاخر ويصير كبيراً للزنزانة مثل هذا المعلم صاحب الهيبة الذي تنبعث منه رائحة ملوخية، ولم يكف عن التجشؤ منذ صباحية ربنا ولا التلطيش في خلق الله.
كان المعلم كبير الزنزانة يدير المكان من منطلق طبقي بحت نظراً لكثرة أعداد المحتجزين، لم يكن يوزع أماكن النوم بالعدل والتساوي "عشان مش معقولة يتساوى رجل الأعمال والدكتور مع بتاع المظاهرات لا مؤاخذة – على حد قول المعلم"، فكان من يدفع أكثر يحصل على عدد بلاطات أكثر لينام عليها أو يرتع فوقها كيفما يشاء. والعُملة الرسمية في السجن هي السجائر، ولسوء حَظ سَيِّد أنه لم يكن معه حينها سوى ثلاثة سجائر كليوبارترا فَرط، ما جعله ينام نصف الليل على سيفه والنصف الآخر واقفاً كالألف على بلاطة واحدة رافعاً يديه الاثنتين إلى أعلى.
---
يبدو أن الحديث قد ألهانا عن أن ننتبه لأننا نأكل في نهار رمضان، فانطلقت أنا و"كورن فليكس" نبصق في جميع الاتجاهات مُحاولين طرد ما في أفواهنا..
وغَرَّقنا المنطقة تفافة.
علي هشام


المصادر: