الجمعة، 18 نوفمبر 2022

أوردر الإنسان الحجري من ماكدونالدز

 افتتحت الجلسة مع المعالج النفسي وأنا أخبره عن شكوكي في أدواته برُمَّتها. يا عزيزي أنت فقط تحاول أن تُجمل الواقع، وما بيننا هو "بيزنيس" في الأول والآخر. مع احترامي لعلمك الغزير، أنا أدفع لك مبلغًا باهظًا من المال لأجلس معك ٤٥ دقيقة بالتمام والكمال، لا تزيد عن ذلك دقيقة، وأنت تقدم لي في المقابل خدمة. أنا واحد من ضمن مجموعة كبيرة من ال"كلاينتس" الذين يأتون إليك، وكلمة كلاينتس (أي عملاء) هو الاصطلاح الجديد الذي أصبحوا يطلقونه على من يبتغون العلاج النفسي، وهذا ربما لأن كلمة (مرضى) مُحرجة بعض الشيء، وربما أيضًا لأننا جميعًا أصبحنا مرضى نفسيين، فأحببوا أن يُجَمِّلوا الأمر قليلًا. أحكو لك في ٤٥ دقيقة معاناة أعيشها ٢٤ ساعة. تسمعها، تدَوِّن ملاحظاتك في دفتر يحوي عشرات الملاحظات عن أشخاص آخرين، ثم تنتهي الجلسة ويذهب كل منا لحاله. في الأول والأخير، سعر الدولار ارتفع علينا نحن الاثنين، وكلانا سوف يدفع كل ما يملك لرادارات التجمع الخامس. أنت لن تُغير الواقع، أنت فقط تأخذ نصف مرتبي الشهري لأتحدث معك قليلًا.

أقضي معظم وقتي أبحث عن سلامي النفسي، إبرة في كومة قش. لم أجد سلامي النفسي بالشوكولاتة الداكنة بالبندق رغم ما تغمرني به من سعادة لحظية. ترفع لي مستويات الدوبامين بمخي، لكنها ترفع لي السكر بالدم أيضًا وتعرضني للسمنة. لم أجد سلامي النفسي في طلبي المعتاد من ماكدونالدز بالثانية صباحًا، بيج تيستي كومبو لارچ، هذه الوجبة لا تداوي جراحي رغم حلاوتها، فقط تشعرني بالتخمة وتصيبني بالحموضة.

وجدتني مؤخرًا أنسى أشياءً بديهية؛ محفظتي، مفاتيحي، هاتفي، ثم تطور الأمر حتى أصبحت أنسى العناصر الأساسية في قاعدة تسلسل ماسلو الهرمي للاحتياجات من أجل البقاء الإنساني، أنسى النوم والأكل. عندما تذكرت الأكل ذات مرة، اكتشفت شيئًا يدلني على بعض من السلام النفسي.

لي وجبة واحدة في اليوم، آكلها مساءً. أرجو ألا تعاتبني على ذلك وتنصحني بأكل ثلاث وجبات، لأني أعلم ذلك جيدًا، وصدقني لن تضيف نصيحتك لي شيئًا، أنا آسف. 

عادةً ما أختار السلطة، ألوانها زاهية، مُغذية، تسمح لي بأكل كمية كبيرة بلا خوف من سعرات حرارية زائدة، والأهم من ذلك أن تحضيرها، رغم وقته الطويل، لكنه يمنحني بعضًا من السلام النفسي. هي أيضًا مُشبعة جدًا، وهي ليست مُشبعة فقط من أجل قيمتها الغذائية، لكن المشقة ذاتها في الوصول لطبق سلطة متكامل تساعدني على الشبع.

يشبع تحضير السلطة غرائزي الإنساني، غريزتنا كبشر أن نشقى من أجل الوصول، ويرتبط معدل شقائنا طرديًا مع ما نجنيه من مكافأة، تشقى لتدخل الجنة، تشقى لتنجح، تشقى لتتزوج حبيبتك، وهكذا. كان الإنسان بالعصر الحجري يسير مئات الأميال ليحصل على غذائه، يجد فريسة هنا أو هناك يصطادها بحجر أو عود خشب أو حتى عظمة احتفظ بها من الفريسة السابقة. لم يجد الإنسان الحجري غذائه بسهولة، لم يداوي الإنسان الحجري جراحه بأوردر بيج تيستي كومبو لارچ من ماكدونالدز في الثانية صباحًا أو فطيرة مشكل جبن من بيتزا السلطان. كل كائن له غريزته، انظر إلى قطتك التي تربيها بالبيت، لها غريزة الانقضاض، تشبعها عندما تلاعبها، تجري وتنقض على ألعابها، أو عندما ترمي لها كرة. أنا أيضًا أشبع غريزتي الإنسانية بتحضير السَلَطة، لذلك اعتمدت السَلَطة علاجًا.. العلاج بالسَلَطة.

أتغيب عن جلستي الأخيرة مع المعالج النفسي، تتصل بي السكرتيرة لتسألني عن غيابي، فأخبرها بما حدث: "معلش أصل وقتها كنت بعمل سَلَطة"، ثم نحدد ميعادًا آخرًا. لا أدري إن كان لردي عليها علاقة بما أخبرني به الطبيب بالجلسة التالية، فقد أجرى تعديلًا في أدويتي وأضاف على الروشتة مضادًا للذُهان. قلت له متعجبًا: ذُهان إيه يا دكتور… ده الموضوع كله يتحل بخسايتين واتنين كيلو طماطم.





 

 



الاثنين، 14 نوفمبر 2022

فوتكم بعافية

بمناسبة النهاردة اليوم العالمي للسكر، حابب أذكرني وإياكم إن العبد الفقير لله كاتب هذه الكلمات، وغيره من مرضى السكر من النوع الأول اللي بياخدوا إنسولين، إن لو كنا قبل دلوقتي ب١٠٠ سنة بس، كان زماني ميت من زمان. قبل اكتشاف الإنسولين في ١٩٢١ كان لما بيكتشفوا مرض السكر من النوع الأول عند حد، بيقطعوا عنه الأكل تمامًا ويعيش على نظام التقشف التام عشان يمدوا في عمره كام أسبوع بس، وبيفضل يفقد وزنه فيهم ويخس يخس يخس.. لغاية ما يموت.
القصة دي في ذاتها على قد صعوبتها، لكن مخلياني حاسس إن حياتي بونَص، نعمة ربنا قرر يديهالي بعد ما كان مكتوب تتشال مني. فرغم الأيام الوَحل اللي الواحد عايشها دي، بحب أفكر نفسي كل شوية باليومين البونَص اللي ربنا اداهملي هدية اقضيهم في الدنيا معاكم وعلى قلبكم، ولما بفكر نفسي بده بحس بمسؤولية وخشى من ربنا إني أسيء استخدام نعمته عليا.
صحيح ربنا كتب لي ولمرضى السكر عُمر جديد، لكن مهم نعرف إن السكر أكتر مرض من الأمراض المنتشرة مظلوم ومنتشر عنه خرافات، رغم إن مصابينه كتير جدًا. مرضى السكر من النوع الأول بيتنَكِّل بيهم يوميًا في مفرمة الحياة، من حيث القدرات الجسدية المحدودة بسبب ذبذبة مستويات السكر في الدم، الجوع والزيادة في الوزن اللي بيسببهم الإنسولين، الأعباء النفسية بسبب إلزامهم بمتابعة نفسهم لحظة بلاحظة من حيث الجرعات والقياسات المتتالية، التجربة الكابوسية لهبوط السكر في الدم، التهديد الدائم باحتمالية الدخول في غيبوبة لو حصل هبوط شديد بدون ما يتلحق، التكاليف المادية المهولة اللي على عاتقهم لتوفير الإنسولين وشرايط التحاليل والأدوية، فطبعًا تخيل غلو الأسعار والمعيشة اللي كلنا بنلطم منه.. ضيف عليهم بقى ٢٠٠٠ جنيه حقن أنسولين شهريًا، ده كده لسة متكلمناش في تكاليف أجهزة القياس ولا الإبر.
لغاية ما ييجي يوم قريب جدًا أحكي باستفاضة عن رحلتي مع السكر، ركز في دايرتك على حد تعرفه عنده سكر، افتكر الدنيا بيه عامل ازاي ومن غيره كانت ممكن تبقى عاملة ازاي، وروح طبطب عليه في صمت تقديرًا للمعاناة اللي بيعيشها كل يوم وماحدش عارف عنها حاجة.
فوتكم بعافية.


الخميس، 3 نوفمبر 2022

الجنة

أنتَ لم تحك لي عن ذكرياتك أيام المدرسة، ولكني أراهنك أنك مررت بهذه التجربة لو كنت من أبناء جيلي. في حمام المدرسة كانوا زملائي واقفين أمام المرآة ممسكين بزجاجة كوكاكولا يشيرون على انعكاسها في المرآة، وجدوا عبارة (لا محمد لا مكة) مكتوبة على شعارها. ألقيت عليهم نظرة، ثم دخلت كابينة الحمام. كان بعضهم يستغفر الله مما رأى، والآخر كان يسب الشركة بما تيسر. خرجوا من الحمام مسرعين لأن حرام أن يُذكَر اسم الله أو النبي بالحمام، واتفقوا جميعًا على مقاطعة الشركة وشرب البيبسي بدلًا منها. كانت رواية هاوية بالنسبة لي، يعني ماذا يفيد شركة مياهًا غازية من أن تسب الله ونبيه؟ ثم إن -ومن منظور نفعي بَحت- هذا لن يفيد الشركة إطلاقًا، فسوف تخسر المستهلكين المسلمين إلى الأبد. على أي الأحوال، كنت الوحيد الذي يشرب الكوكاكولا في فصلنا منذ ذلك الحين.
مال عليَّ زميلي وهو يشير على أحد أصدقائي وكأنما يحذرني منه: "عارف الكلمة اللي على التيشيرت بتاعه دي معناها إيه؟ GAP ، يعني gay and proud -شاذ وأفتخر-". لم أُبد اندهاشًا، تركته ومشيت. لم يكن حينها الكلام عن الهوية الجنسية منتشرًا، لكن الرواية ضعيفة، يعني أنا أخلص من كوكاكولا يطلعلي GAP؟
أتذكر حينما كنت مع أبي على طريق مصر الإسماعيلية الصحراوي، وكان ثمة أُناس يتكالبون على شجرة يقبلونها ويتمسحون فيها. كانت جذع الشجرة مكتوب عليه لفظ الجلالة، واسم النبي محمد. عندما وصلنا البيت، فتحنا التلفزيون على برنامج العاشرة مساءً، وكان أحد علماء الشريعة ضيفًا يوصي بقطع هذه الشجرة لأنها فتنة. تمر السنين ويتطور الإنترنت وتظهر مواقع التواصل الاجتماعي، فاعتدت أن أرى مثل هذه الأشياء، أشجارًا تحمل اسم النبي محمد وأخرى عليها صورة السيد المسيح، تفاح عليه آيات، جوافة عليها حديث، بطيخ، شمام، كمثرى، برتقال، يوسفي. ولا أدري لماذا تظهر هذه المعجزات على الفواكه بالذات، صحيح إن سيدنا آدم أكل التفاحة، ولكن هذا لا يعني أن نأخذ الفتاوى من أفواه الفكهانية.
قرأت منشورين على الفيس بوك اليوم عن الذكاء الاصطناعي، كان واحدًا منهما يخبرنا عن توقع بأن نهائي كأس العالم ٢٠٢٢ سيكون بين قطر والسعودية، وأنا حزين لأن الذكاء الاصطناعي باع ضميره بأموال البترول والنفط. أما المنشور الثاني فبه صور مُتَخَيَّلة للجنة عندما أدخلوا للبرنامج أوصافها. كانت الصور ألوانها ذهبية فاقعة، لم تعجبني بصراحة، ولكني في نفس الوقت نفسي أروح الجنة، فما العمل؟
وعد الله الفائزين بسعادة في الجنة، وأظن أن السعادة شيء نسبي، فما يُسعدك ربما يعكنن عليا، وما يبسطني ربما يضايقك، فكيف تكون جناننا واحدة؟ سمعت مرة أحد الشيوخ وهو يتحدث عن حلاوة الجنة، وأن صفًا مُكون من ١٠٠ امرأة عذراء سوف ينتظر كل رجل، يمارس معهن واحدة تلو الأخرى الجنس. ربما يكن هذا الكلام لطيفًا بالنسبة لجمهور هذا الشيخ، لكنه مُنفرًا بالنسبة لي بصراحة. عفوًا، أنا لست مهتمًا بممارسة الجنس مع عشرات العذراوات اللاتي لا أعرفهن، لو كان الأمر هكذا، فأنا أعفيهن من هذا الأمر.
رزقك الله بعقل يقرأ ويبحث ويفكر ويخترع الأشياء الصالحة، والأشياء الطالحة التي تدمر الكوكب أيضًا، ثم أخبرك بأن الجنة بها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ثم تنتطر من ذكائك الاصطناعي أن يُريك الجنة؟
هذبتني الدنيا وهذبت طموحاتي، ولم أعد أرغب بأشياء كثيرة. يعني لم أعد أحلم بسيارة مرسيدس مثلًا، لست مستعدًا أن تطير الكارتيرة في مطب أو يصدمها ميكروباص يقوده واحد ضارب استروكس أو حبوب صراصير. هذَّب الدولار أحلامي أيضًا، كنت أحلم منذ عامين بفئة عالية من التويوتا ثم انتقلت للفيات تيبو، بعدها اتجهت للبيجو ٣٠١ ثم سرعان ما انتقلت للنيسان صني ثم السوزوكي، حتى وصلت أحلامي الآن للكاريتَّة.
لم يَنهَنا الله على أن نعبده "خوفًا وطمعًا"، من كرمه وفضله علينا أن سمح لنا بأن نطمع كما نشاء في كرمه ولُطفه، وأنا شخصيًا طامع في أن يعاملني الله برحمته لا بعدله. وكما يقول المثل المصري الدارج "إن سرقت اسرق جمل"، لذلك فأنا أطمع في أشياء كثيرة إذا رُزقت بالجنة، ليس من ضمنها إطلاقًا العذراوات.
لو كنت سألتني منذ عدة أعوام عن الجنة، ربما كنت قد وصفت لك الحديقة التي كنت أتمشى فيها منذ يومين بلندن. لكن يومها كنت جلست على دكة خشبية بالحديقة أتذكر جنة الله على الأرض التي يحول بيني وبينها الغُربة: حضن أمي وأخي. كنت أتذكر جنة أخرى كنت فيها يومًا: ضمة أبي لي الذي يحول بيني وبينه الموت. أما لو سألتني عن الجنة في المطلق عندي، فلا يهم أن تكون مثل هذه الحديقة، يكفينا فقط هذه الدكة الخشبية البسيطة، نجلس عليها أبي وأمي وأخي وأنا مرة أخرى.