الأحد، 16 نوفمبر، 2014

مصر الصُغرى.. من وَحي مباراة مصر والسنغال

يطلق الجغرافيون على "منخفض الفيوم" اسم (مصر الصُغرى) حيث تتلخص في هذا المنخفض كُل خصائص الدولة الطبيعية، والحقيقة إن هذه الظاهرة اللطيفة لا تُلاحَظ فقط في طبوغرافية مصر، بل إنك تجد في كُل مكان في هذا البلد نموذجاً مُصغراً من خصائصه وخصائص سكانه أيضاً، يعني أضمن لك أنك إن دققت التركيز والمُلاحظة في حياتك اليومية سوف تتكعبل في "مصر الصغرى" عدة مرات.
بشكل أبسط، مصر حالها تماماً هو حال صندوق الهدايا -الأحمر أبو فيونكة- الذي يظهر في الأفلام، وسرعان ما يفتحه البطل يجده يحوي صندوقاً أصغر منه يماثله بالضبط في الشكل، ويظل على هذا الوضع البائس يَفُك في الفيونكات ويفتح في الصناديق إلى أن يجد صندوقاً صغيراً جداً، يفتحه.. فيجد بوكساً طائراً يلكمه في وجهه مُعلناً عن مقلب سخيف.
ولكن كي أكون دقيقاً.. يجب ألا أنسى أن أذكر لك أن الصندوق الكبير –الأولاني، أبو فيونكة- يقبع داخل قفص حديدي تحوطه القضبان من كُل جانب.
دعني أضرب لك مثالاً آخر على "مصر الصغرى"، ارجع بذاكرتك إلى أيام المدرسة، هل تتذكر زميلك الذي ترشح في انتخابات ريادة الفصل مع إنه يعلم أنكم اتفقتم على فائز غيره منذ البداية ؟ ها هو قد كبر وصار مُرشحاً في الانتخابات الرئاسية المحسومة مقدماً.
طَيَّب، هل تتذكر زميلك الذي فاز بمنصب الرائد ولم يَكُن له تلاتين لازمة طوال العام الدراسي ؟ أمد الله في عُمره، صار أكثر نضجاً الآن وتولى رئاسة البلاد في فترة انتقالية وأنهى مهمته بسلام وها هو الآن يستلقي على كنبة الليفينج روم بابتسامته البشوشة يستمتع بأكل الفشار والفُرجة على قناة فتافيت في مُنتهى السلام والوئام.
هل تتذكر زميلك "عبد الفتاح" الذي كان يصفف شعره على جنب وكان بيقضيها تسبيل لبنات المدرسة كلهم ؟ بيسلم عليك.
طيب، هل تتذكر زميلك الذي كان يأمره المدرس بأن يقف مُراقباً عليكم في غيابه ويُدَوِّن اسم من ينبس بحرف على السبورة، رغم وجود رائد للفصل؟ ها هو قد صار الآن "أمنجياً" قد الدنيا. وهكذا.. قِس على ذلك الكثير بقى.
وبما إن الواحد مراراته لم تتعافى من هزيمة منتخبنا الوطني لكرة القدم أمام السنغال وفقدان آخر فرصة تأهل لكأس الأمم الأفريقية، لا يصح أن أتحدث عن "مصر الصغرى" من دون أن أذكر المعلق الرياضي "حاتم بطيشة"، الذي شاهدت المباراة بتعليقه..
قبل أي شيء لا يفوتني أن أخبركم بتقديري للكابتن حاتم وتصنيفي له كواحد من أفضل المُعلقين المصريين، والحقيقة حتى أنني أتمنى أن أتشرف بمقابلته في يوم كي ألتقط لنفسي صورة معه ويوقع لي في الأوتوجراف الخاص بي كواحد من معجبيه.
كان الكابتن حاتم بطيشة خير مثال على "طريقة إدارة الأزمات" في مصر، دعني أقول (أزمة) لإن المثال المصغر ما هو إلا ماتش كورة، لكن –إن جيت للحق- الأزمات في مصر لم تعد أزمات بالمعنى الحرفي، فنحن انتقلنا من مستوى "الأزمات" إلى مستوى أرقى، وهو "الكوارث"، وسرعان ما صارت كوارثنا "فواجعاً"، واعتدنا عليها كما نعتاد على كُل شيء في حياتنا البائسة. –رحمة الله على أبنائنا الطُلاب شُهداء حادثة أوتوبيس البحيرة-.
نرجع لمرجوعنا.. سوف أُفَنِّد لكم في عدة نقاط العلاقة التي تربط ما قاله الكابتن حاتم وما تقوم به السُلطة في إدارة الأزمات بحكمتها الواسعة:
-          المرحلة الأولى.. أسياد العالم:
بدأت المباراة، فاستعان المعلق بالله وانطلق يؤهب اللاعبين ويذكرهم بأن الوضع حرج "يللا يا رجالة، يللا يا أبطال"، مع إن الرجالة مش سامعينه أصلاً لإنهم في الملعب – الأمر الذي يقوم به كل المعلقين ويستحق مُراجعة أداءهم وتذكيرهم بتعريف المهنة أصلاً (Job Description)-. ثم راح يُذَكِّر المُشاهدين بأننا أسياد أفريقيا ووحوش البطولة، وهو موضوع يستحق التأمُّل فعلاً، لأن –بعد تلك الهزيمة- سوف تُعقَد ثالث دورة إفريقية على التوالي بدون المُنتخب المصري بعد أن خرج "وحوش البطولة" من التصفيات المؤهلة إليها بالسلامة.
وهنا ذكرني بالسادة المسئولين الذين يصدعون رؤوسنا ليل نهار بأسطورة "حضارة السبعتلاف سنة" باعتبارها بمثابة "كسر عين" للمنتقدين، على أساس طبعاً أن الفراعنة كانوا أجدادهم –هُما بس-، وأن المسئول منهم لا يصح تعيينه في منصبه إلا إذا قدم وثيقة تفيد بأنه من نسل الإله رع.
يعني أجدادنا ماتوا وشبعوا موت وتحولوا إلى بترول واصطف عشرات المواطنين في طوابير طويلة عريضة أمام بنزينة (الوطنية طبعاً) كي يستعملوا ذلك البنزين، وبعد أن وصلوا للبنزينة –يا فرج الله- واستعملوه بالفعل وصار البنزين عادماً.. إيه بقى ؟ إيه ؟
-          المرحلة الثانية.. ارجع لأصلك:
اهتزت شباك –وحوش أفريقيا- بالهدف الأول وأُصيب حارس المرمى وخرج في تبديل اضطراري، وهُنا نلاحظ صدمة المُعلق الذي لم يتوقع إطلاقاً الهدف بعد أن نفخ ريشه تماماً وانتفخ ونفخنا معه، تماماً كوزير الداخلية الذي أكد في كلمته في احتفالية انتهاء تدريب أحد الدفعات الجديدة في كُلية الشرطة على أن السجون مؤمنة بالأسلحة الثقيلة وأن الشُرطة تؤدي واجبها على أكمل وجه، ثم صَرَّح "اللي عايز يجرب.. ييجي". –ياريتهم ما سمعوا كلامه. رحم الله جنودنا الغلابة-.
ولعلك تلاحظ الاختلاف الجسيم في لغة الخطاب حين صَرَّح سيادته لجريدة الوطن في مايو 2014: يحز في نفسيتي أننا لا نتلقى التقدير المناسب لحجم التضحيات التي تقوم بها الشرطة.
المهم، راح المعلق يدعو الله أن يسترها ويصبر المشاهدين مُذكراً إياهم بأن "المباراة لسه طويلة"، ويثبت اللاعبين مُذكرهم بأنهم قدها وقدود وأن الحرب ما هي إلا حرب نفسية، ولا يفوتنك –عزيزي القارئ- أن تلحظ انحطاط الآمال الشديد الذي هاجم المعلق، حين تمنى الكابتن حاتم بأن نحرز ولو هدف في الشوط الأول ونخرج منه متعادلين وفي الشوط الثاني ربنا يسهلها، وانتهى به الأمر في الشوط الثاني يقول: "نفسنا حتى في ضربة ركنية".
ثم طفق يُحَمِّس اللاعبين "اضغطوا يا رجالة.. يمكن نجيب جون في الزحمة"، وهو ما يعبر عن الأمل في انتصار بالصدفة، وأعتقد أن حُكاماً كثيرين لا يملكون في جعبتهم إلا ذلك النوع من الآمال.
-          المرحلة الثالثة.. المؤامرة الكونية، وإخلاء المسئولين من مسئوليته:
عندما التفتت الكاميرا إلى شوقي غريب –المدير الفني- الذي كان يشخط في اللاعبين وكان وجهه محمراً جداً من فرط الحماس، دعا المعلق بالثبات للجهاز الفني والجميع "كان الله في العون" مُفصحاً عن إشفاقه الشديد، مُذكراً إياي بهؤلاء الذين يعتقدون أن العلاقة بين فشل المسئولين وتعَلُّقنا بهم علاقة طردية، يعني كُلما فشل سيادته في تأميننا.. كلما ازداد تعلقنا به وعشقنا له وذُبنا في دباديبه أكثر وأكثر.
المهم، عندما خرجت الجماهير الحاضرة في الاستاد عن شعورها وهتفت "رَوَّح يا شوقي"، قال المعلق في البداية: أن الجهاز الفني مستمر رسمياً حتى 2018 –قدر ومكتوب علينا تقريباً- ثم دعا الناس لكي تهدأ وتفكر في حيثيات الوضع وذكرهم بأن الظروف معقدة، وأن مجموعتنا في التصفيات مجموعة صعبة وكلها فرق ثقيلة، وهي بحق: مجموعة الموت. ثم عاد ليذكرنا بأننا أسياد القارة، رغم أنف تلك المؤامرة الكونية.
وعلى طريقة طلعت زكريا في فيلم "غبي منه فيه" حين قال: (ثم إن أنا أصلاً مابحبش الكُشري يا سلطان)، ضرب المعلق ضربته الأخيرة التي حاول أن يقنعنا من خلالها بأن عدم التأهل للبطولة "خير وبركة" لأن ظروفنا سيئة، ومايصحش نروح البطولة ونِتْهَزَّأ برضه.
-          المرحلة الرابعة والأخيرة.. التكشيم أو كان على عيني يا لمبي:
انتهى دور المعلق الرياضي بعد أن أقنع الجماهير بأننا أسياد أفريقيا، ثم يتجلى لنا الآن دور إدارة المنتخب، فينقسم الإداريون إلى قسمين: واحد يرأسه "شوقي غريب - المدير الفني" الذي صرح بعد المباراة بوجه متجهم بأن المباراة كانت "مباراة طيبة"، وأن المنتخب قد أدى مباراة من أفضل مبارياته. ليذكرنا بهؤلاء الذين لا يَكِلُّون ولا يَمِلُّون ليل نهار من ترديد أننا في أزهى عصور الحُرية على شاشات التليفيزيون. "وهاتقتنع يعني هاتقتنع.. هاتتباس يعني هاتتباس".
والقسم الثاني يقوده العميد "أحمد حسن" الذي صَرَّح للأهرام بأنه "ماعندهوش حاجة يقولها" في مشهد مشابه جداً بمشهد عبلة كامل عندما قالت لـ اللمبي عندما كان يريد منها سُلفة وهي تفتعل البكاء والنحيب: "كان على عيني.. هو اللي عند الحكومة بيرجع يا لمبي؟".
ولا أدري، لماذا تذكرت الآن بعض السادة المسئولين الذين لا يواجهون الأزمات بأنفسهم، بل يواجهونها بالتَهَرُّب منها، كأن يلقوا اللوم على "المجني عليهم" لأسباب خزعبلية مثلاً..
وسمعني سلام: أنا مش مش عايز.. أنا مش قادر أديك.

علي هشام