الجمعة، 20 ديسمبر، 2013

بين الأصابع والأحلام والأوميجا

منذ شهور قليلة، وقف على منصة اعتصام رابعة العدوية الشيخ جمال عبد الهادي، يقول للمعتصمين في الميكروفون أن الصالحين في المدينة المنورة قد رأوا سيدنا جبريل –عليه السلام- في المنام يصلي في مسجد رابعة العدوية. وهو ما لقى تصفيقاً وتهليلاً وتكبيراً هائلاً من المحتشدين مصحوباً بزغردة من النساء. وهنا يجب أن نسأل.. ما علاقة مسجد رابعة العدوية بالإخوان المسلمين سوى أنهم اعتصموا أمامه بإردتهم لا بإرادته ؟؟ هل استأجرت الجماعة بيت الله إيجاراً جديداً مثلاً ؟؟ وما علاقة محمد مرسي بـ"رابعة العدوية" أصلاً؟؟ هل بينه وبين "رابعة بنت اسماعيل العدوي" أي صلة قرابة من قريب أو من بعيد تبيح لمريديه أن يعتصموا في ميدان الست ؟؟ ما الذي يدل عليه هذا الحلم الذي أُخِذَ على محمل الجد ولماذا لا تكون "هلاوس" يا شيخ ؟؟ وهو ما لا يعيب الصالحين الذين يتحدثون عنهم -عادي، كلنا مابنتغطاش واحنا نايمين وبنهلوس-.. وهنا يُلِح عليَّ سؤال أخير: هو فيه في الزمن ده صالحين أصلاً يا شيخ عشان يبقى فيه رؤى ؟؟
وبعد أن فُضَّ هذا الاعتصام بعد ذلك بقوة غاشمة، وسقط العديد من المعتصمين..
سُرِّب إلينا منذ أيام قليلة تسجيلاً للفريق السيسي، فحواه أن السيسي يحكي للصحفي عن منامات أتت له منذ سنوات، واحدٌ منها كان يتحدث فيه إلى الرئيس الراحل أنور السادات الذي قال له "أنا كنت عارف إني هبقى رئيس جمهورية"، فرد عليه "و انا عارف إني هبقى رئيس جمهورية". وآخر كان يحمل فيه الفريق سيفاً مكتوباً عليه عبارة التوحيد بالأحمر. وآخر كان يرتدي فيه ساعة "أوميجا" عليها نجمة خضراء كبيرة. وهو ما يجعلنا نحذر سيادة الفريق بشدة من إمكانية أن تكون الساعة الأوميجا التي قضى الليل يفكر فيها "مضروبة" لأن الشركة لم تصدر موديلاً بهذه المواصفات.. ولا يصح أن يرتدي رجل البلاد الأول ساعة مضروبة. أما عن الحلم الأخير فكان لأحد قال لسيادته "هانديك اللي مديناهوش لحد".. وأنا أدعو سيادة الفريق أن يكلف الأجهزة الأمنية بملاحقة هذا المجرم الذي يتحدث بتلك الوقاحة مع سيادته، بدلاً من انشغالها بمداهمة المراكز الحقوقية اللي بتجيب حَق الغلابة من الديابة.
يالبؤس هذا الوطن، اختزل الصراع فيه بين ساعة أوميجا وأربعة أصابع، فوطن يحدد مصيره أحلام وهلاوس المتصارعين على السُلطة هو وطن بائس بامتياز. أخشى ما أخشاه، أن يحلم أحدهم بحلم كالذي يحلمه البالغون من الرجال، فتقضي "خارطة الطريق" على الشعب كله أن يقوم ليستحم جبراً في هذا البرد القارس !
أرى أن كل شيء في بلادنا قد انحط مستواه لأقصى درجة، بداية من أحلامنا نهاية بصراعنا. لقد وصلت أحلامنا إلى مداها في 25 يناير 2011، وها قد عُدنا لما قبل هذا التاريخ، لا حلم لك سوى الستر –الذي لا يأتي إلا من عند الله- وأن تبيت الليل في بيتك وعلى فراشك وليس مرميَّاً على أرض أحد الزنازين في هذا البرد معصوب الأعين مربوطة يديك خلف ظهرك، بعد أن اختطفك الأمن من بيتك وتعدى على زوجتك. -سلامٌ علاء عبد الفتاح-.
بحثت عن أحد في السُلطة أُهديه هذا المقال في مظروف مكتوب عليه "لقد انحطت آمالنا، سيادتك"، فلم أجد أحداً مُحدداً أُكلمه، اللهم إلا: مواطن وقف على حيله ست ساعات في طابور أنابيب البوتجاز، انتابته فرحة عاتية بعد أن حصل على واحدة أخيراً بأضعاف السعر الأصلي..
وأيضاً حارس مرمى منتخب تاهيتي الذي رفع يديه إلى السماء محتفلاً مع الجمهور بعد أن صد ركلة هزيلة من لاعب منتخب إسبانيا الذي هزمهم عـشـــرة/ صـــفــــــر.

الأحد، 15 ديسمبر، 2013

شُهداء من كوكب بلوتو

حاولت أن أُقنع نفسي سلفاً بأننا –كشعب- سوف نتخلى عن طابع الخنوع الذي بات يتغلغل في جيناتنا التي نورثها للأجيال عندما يصبح لكل واحد ضحية من معارفه جنى عليها الحاكم، حيث تستثار المشاعر ويصحو الضمير وما إلى ذلك، لكن سرعان ما نَبَّهت نفسي بأن أحداً لم يسلم من شرور حُكام بلدنا البهية "المتعددين".. ومع ذلك، لم يقم الشعب حتى الآن بثورة حقيقية تعصف بجميع المفسدين.. تُرى، كم لتراً من الدم يحتاجه هذا الشعب كي يفيق ويثور على الجميع ؟
حتماً أنك إذا دخلت في مناقشة مع أحد في هذه الأيام الغبراء، ستسمع منه عن صديق إبن خالته الجندي المجند في الجيش المصري الذي استشهد ضحية تفجير إرهابي في سيناء، طبعاً هو لا يحكي عنه للتدليل عن فشل قادة الدولة المنشغلين في صراعات "البيضة وللا الفرخة" في حماية ذلك الجندي الغلبان الذي لم يلق منهم إلا مُتاجرة بدمائه لنيل مكاسب سياسية رخيصة، وإنما الحكاية ليزعم بأن هؤلاء المجهولون الذين قاموا بالعملية الإرهابية ينتمون لجماعة الإخوان لذلك فهم يستحقون إبادة جماعية كما فعلت السلطة النازية باليهود، وبالطبع لن تسمع تلك الحكاية إلا من مناصر للسلطة الحالية، فهو لا يرى من الشهداء إلا الجنود وضباط الشُرطة، مُعتبراً أن من تقتلهم السُلطة هُم من كوكب بلوتو.
أما إذا كان من تناقشه من جماعة الإخوان، فلابد أنك ستجده يحكي لك عن صديقه الذي استشهد بجانبه في رابعة العدوية برصاص الجيش، وحتماً هو الآخر لا يحكي عنه لذكر قادة الجماعة الذين أفسدوا وقتلوا أيضاً عندما اعتلوا سُدَّة الحُكم.. وعندما عُزلوا، صوروا للشباب أنها حرب على الإسلام ودين الله الحق. ولَم يَلق ذلك الشباب من قادته بعد مقتله إلا متاجرة بدمائه أملاً في مكاسب دنيوية بخسة، تجسدت تلك المتاجرة في مشهد جثامين المعتصمين المتراصة إلى جوار بعضها في المشرحة، مغطى كُل منها بصورة كبيرة للمعزول مُرسي.
بين الجُندي الذي قُتِل في سيناء على يد إرهابيين، والشاب الذي قَتَلته السُلطة في رابعة العدوية.. ثمة شُهداء مُحوا من ذاكرتنا. كارثة أن تجد شهيداً يهضم حق شهيد. تُرى هل يتذكر أحد الشهيد أحمد بسيوني –على سبيل المثال لا الحصر- الذي قتله حُسني مبارك في 28 يناير 2011 بالرصاص ثم دهسته عربة الأمن المركزي؟ لم يأت حقه بَعد.
هل يتذكر أحد شيخنا ومولانا عماد عفت والدكتور علاء عبد الهادي اللذين قُتلا برصاص قوات الجيش في مثل هذا الشهر منذ عامين (2011) في موقعة مجلس الوزراء التي لا يتذكرها أحد إلا بإحراق المجمع العلمي.. ها هو قَد رُمِّم وعاد كما كان، هل زاره أحد ؟ هل عاد إلينا الشيخ عماد وفي يده الدكتور علاء ؟ لم يأت حقهما بَعد.
هل يتذكر أحد شاباً اسمه خالد سعيد ؟ الذي قُتِلَ على يد جهاز شرطة منذ ثلاث سنوات لم يتغير عن وقتها ؟ هل يعلم أحد بأن القصاص لم يأت من قتلة الشهيد خالد حتى الآن ؟ هل يتذكر أحد طَيِّب، هتاف "خالد خالد يا سعيد.. ثورة جاية من جديد" ؟
اعلموا أنَّ دماء الشُهداء لا تَجِف مَهما مَر الوَقت، وأن الشهادة لا تَسقُط بالتَقادُم.            

الأربعاء، 6 نوفمبر، 2013

واحدة بالعسل و واحدة جوز هند

تعرفت على "أحمد" أثناء أجازتي القصيرة التي قضيتها مع البحر والسماء في الصيف الفائت، تحدثنا كثيراً وكنت أحياناً ما أرافقه في المرور على الشاطئ وحمامات السباحة التي يفصل بين كل منها والآخر مسافة كبيرة يمشيها على قدميه حاملاً على كتفه ذلك الصندوق الزجاجي الكبير الذي تسكن فيه الفريسكا بأنواعها كل يوم.
ولأن "أحمد"، ذلك العشريني ذو الملامح المصرية الصعيدية، مصري أصيل.. فهو يعلم جيداً أن "الرزق يحب الخفية"، لذلك كان دائماً ما يُلقي تحية حارة على كل من يقابله، مصحوبة بلقب يقدره هو "دكتور أو بشمهندس". لصداقتنا، أزلنا الألقاب، هو يقول لي "علوة".. وأنا أُناديه "أبو حميد".
تملكني فضول شديد تجاه أسرار مهنته، وهو أفادني كثيراً.. عَلَّمني –مثلاُ- طريقة حمل الصندوق بأقل ألم ممكن على فقرات الرقبة والظهر. عرفت كيفية فتح صندوق الفريسكا على البحر بحيث لا تضرها الرطوبة، يجب أن تولي ظهرك للبحر.. ثم تفتح الصندوق لتأخذ منه ما تُريد وتغلقه سريعاً.. "قبل ما الهواء ياخد باله".
كان "أحمد" يبيت مع عمال آخرين في مسكن متواضع بقرية ساحلية مجاورة، يخرج كُل يوم بصندوقه في السابعة صباحاً على باب تلك القرية، إلى أن تأتي سيارة مصنع الفريسكا التي تمر على القُرى لتوزيع بضاعة اليوم على العُمال، يأخذ منها نصيبه، وهُنا –فقط- يسمح له بأن يأكل واحدة أو اثنتين من الفريسكا الموجودة بسيارة المصنع، وبعد أن يملأ صندوقه الزجاجي.. ينتظر الفرج في سيارة نقل مارة على الطريق السريع يستجيب سائقها لإشارته وينقله إلى القرية التي يبحث فيها عن رزقه، حكي لي أنه ذات مرة لم يعثر على ابن حلال يقله، فمشى الثلاث كيلوات على قدميه، وصل متأخراً فوبخه أحد إداريي القرية وكان مكسبه في هذا اليوم هزيلاً حيث أنه كان قد استنفد طاقته ووقته.. فوبخه المسئول عن جمع إيرادات اليوم هو الآخر.
له من المَكسَب عشرين بالمائة، والفريسكا الواحدة بجنيهين، ربما يرى البعض أن شقاء هذه المهنة لا يتناسب مع فوائدها المادية، لكنه يقول: "آهي حاجة تستر وخلاص".
للأسف.. انتهت أجازتي، وودعت صديقي بعد أن التقطت لنفسي معه صورة تذاكرية على وعد منه بأن نتقابل قريباً في أقرب فرصة، سَجَّلت رقم "أحمد" على هاتفي الخاص، ولم تنقطع صلتنا إلى الآن..
لم يخطر على بالي يوماً أن الفريسكا سوف تكسبني صديقاً، فشُكراً لها.
--
أوحشني !
اتصلت بصديقي "أحمد" اليوم لأطمئن عليه، بعد أن انتهى موسم الصيف، وهجر المصيفون شاليهاتهم الفخيمة، وخلى المكان للشتاء الذي قد حَل بأمطاره ونَوَّاته وصفير رياحه.
أحمد.. الآن يقضي أجازة ليومين مع عائلته في مركز طهطا في سوهاج، سيسافر إلى الإسكندرية بعد ذلك للعمل كـ"عَتَّال" في إحدى شركات المقاولة.. استرجعنا أحادثينا في هذه المكالمة التي استغرقت كثيراً، وعندما تطرقنا للسياسة، أخبرني بأنه لا يعرف ما يجري في البلد ولا يهتم بمعرفته أصلاً، وقبل أن ننهي المكالمة، أوصاني بأن أدعُ له كي ييسر المولى أمور عبده، وأن يتيح له مواصلة آمنة بعد يومين إلى الإسكندرية –حيث العمل الشتوي-..
"عشان بيقولوا البلد فيها لَبَش والأمن غير مستتب".
علي هشام
7 نوفمبر 2013
AliHishaam@gmail.com

نٌشِرَت في "الموجز"


الأربعاء، 23 أكتوبر، 2013

عشان احنا واحد

يقولون أن تعداد سكان مصر تخطى التسعين مليون نسمة، لكن رقعة اختلافاتنا الأيدولوجية اتسعت لأكثر من هذا العدد، ولا تتعجب.. ففي أم العجائب تجد أُناساً يحملون فكراً أيودولوجياً وعكسه، أو يتبنون مبدأً ونقيضه، كأن تجد فرداً يزعم أنه مدافع عن الحُريات والحقوق، وفي نفس الوقت يبرر باستماتة قتل واعتقال متظاهرين، بغض النظر عن انتمائهم. وعلى الصعيد الآخر.. تجد أُناساً يَدَّعون أنهم أبناء الفكر "الإسلامي" ويرمون آخرين بالكفر لمجرد أنهم مختلفون، بل ويحرضون عليهم ولا يمانعون من اللجوء للعنف، لكن أهم شيء.. ألَّا ينسوا تلك الابتسامة اللزجة التي ترتسم على وجوههم، وأن يُذَكِّروك بأنهم سمحين وأصحاب صدور متسعة لجميع الآراء المختلفة..
ويحضرني في هذا الموقف، الشيخ -أو الذي أطلقوا عليه شيخاً- الذي استُضيف على شاشة إحدى القنوات الإسلامية -أو التي أطلقوا عليها إسلامية- وسُئل عن جدوى قتل باسم يوسف، فابتسم وأجاب بوجه بشوش: ليس الآن !
لا تنس –عزيزي القارئ- أن تفكر جيداً في هوية من يقف بجانبك في أوتوبيس النقل العام ليزاحمك فيلتصق جسده بجسدك إن كانت المقاعد ممتلئة، فقد يكون ضابطاً مرتدياً الملكي، ربما يقتلك يوماً –عن قصد- إذا تظاهرت. أما إذا كنت موالياً للسلطة، فقد يقتلك –دون قصد- أثر وقوفك في بالكونة بيتك مثلاً أو مرورك في الشارع صدفة، فيضغط الباشا على الزناد قاصداً قتل أحد المعارضين، فتأتيك الرصاصة –غصب عنه والله- لتخترق جسدك معلنة عن وفاتك –ألف بعد الشر-. وحينها تُحَل القضية بتعويض لأسرتك قدره ألفين جنيه وكيسين إندومي. بافتراض أنه شرطي، وبما إنك كده كده ميت.. لا تخش مطلقاً من مزاحمته والاستماتة في توفير مكان مريح لك في النقل العام، بل والدعس على قدمه إن أحببت، هيحصل لك إيه اكتر من الموت يعني ؟
أما إن كان مدنياً بحق، فانس ما قلته بخصوص أنه سوف يقتلك بمسدس ميري، حاشا لله، فالأُستاذ ربما يقتلك بمسدس ملكي أو فرد خرطوش محلي الصنع ! أما عن انتمائه فتلك أمور هامشية، قد يكون مدنياً من الواقفين مع الشرطة –هذا المنظر الذي صار مألوفاً بالنسبة لنا منذ زمن-، أو يضربك من صفوف المتظاهرين، وفي هذه الحالة لا نعرف إن كان فعلاً من المتظاهرين أم إنه كائن غريب قد هبط من مكوك فضائي على أرض الحدث.
ربما يكون إنساناً ذو قلب ضعيف لا يقوى على المشاركة في الأحداث الدموية، وفي هذه الحالة سوف يتربع على كنبة بيتهم أمام التليفزيون، إما سيصفق لمقتلك إذا كان موالياً للسُلطة وقال الإعلام إنك من "الإرهابيين الوحشين"، أو سيمصمص شفتيه قائلاً:"يا حرام قتلوه الإرهابيين"، إذا قال الإعلام أنك من الأهالي الأبرياء الذي كانوا يتصدون للهجوم الإرهابي الغاشم.
اعلم أن القتل ليس ببعيد عن أحد منا، سواء تظاهرت أو لم تتظاهر، واعلم أن أُناساً سوف يسيرون فوق دمائك بأقدامهم، وآخرين سوف يتاجرون بدمائك ثم يبيعونها بعد ذلك بأرخص ثمن، وهناك من سيصفق لمقتلك، وثمة من سيزايد عليك، فالمزايدة صارت تجري في دماء الناس، حتى إنك إن قابلت أحدهم وقلت له: "وحشتني".. سيكون رده: "لا انت أكتر" !!
ويكتمل المشهد من الناحية العبثية.. بأن يأتيني وأنا جالس على مكتبي أكتب هذا المقال، صوت منبعث من التليفزيون لأُغنية مشجعة للمنتخب الوطني للتأهل لكأس العالم "عشان احنا واحد.. وهدفنا واحد" !
علي هشام





الثلاثاء، 15 أكتوبر، 2013

الأمل في أن تطير الزرافة


لا ألوم على من عاد للهوس بكُرة القدم، ولا على من اختزل جميع أحلامه في أن يتأهل منتخبنا القومي لكأس العالم، مع إنه يعلم جيداً إننا لن نكسبه. لكن لا تتعجب، فإننا نحب خوض المعارك التي نخسرها من قبل أن تبدأ أصلاً.
ساعات تفصلنا على بداية مباراة منتخبنا القومي المصري مع نظيره الغاني، تجد أعلاماً مصرية خالصة مُعلقة على أبواب القهاوي، خليط من الحماس والتأهب يسيطر على الأجواء في مصر. أغلب الناس قد جردوا المباراة من كونها مجرد "ماتش كورة"، فتجد العديد من البشر حولوا الموضوع إلى قضية قومية.. مصير دولة.. مصر تنتصر.. ارجع شجع.. هيلا هوبا !
إذا تأهلنا لكأس العالم لن يتغير من وضعنا شيئاً، لن يرتفع سعر الجنيه المصري، لن يتحسن دخل المواطن –بغض النظر عن الفرحة التي ستنتابه عندما يرى محمد النني يلعب مع ميسي في نفس البطولة-. كذلك إذا تأهلنا لن تحدث أمور خارقة للطبيعة، فمثلاً لن تطير الزرافة، ولن يتحدث عدلي منصور في السياسة، ولن يكف السيسي عن كتابة رسائل غرامية للشعب.
يُحكى أنه في أحد الحوارات الوهمية التي دارت مع الرئيس البرازيلي "لولا دا سيلفا"، سُئل عن السر وراء نهضته بالبلد، فأجاب: "الحمد لله ربونا وفقنا عشان الجامهور الكبير دهون خدنا التلاتة بونت.. مشينا ورا تعليمات الخواجة ولعبنا أربعة أربعة اتنين" ! 
وبما أن المصريين يحاولون إخبار العالم بأن الكُرة هي ترمومتر التقدم، ولا دولة تقدمت سوى بالكُرة. يُذكر أنه عندما سُئل الرئيس "ميخائيل جورباتشوف" عن سر انهيار دولته –الاتحاد السوفيتي-، أجاب: "معلش أصل معندناش باك ليفت " ! 
لكن أعتقد أن هناك استثناءات لتلك القاعدة، لماذا لم تنهض ليبيريا رغم أن خط هجومها كان يتصدره اللاعب "جورج وايا – أفضل لاعب كرة قدم في العالم عن سنة 1995" ؟ ربما لذلك اتجه وايا لممارسة السياسة بعد اعتزاله الكُرة.
وبمناسبة أن الكُرة تتحكم في كل شيء، لماذا لم نرَ محمد مُرسي يقول بعد عزله: "ألف مبروك للفرقة الكسبانة، وهارد لاك لفرقتنا" ؟!
في مصر لا تجد فقط اليائسين يريدون اقناعك بأن الكُرة هي المصدر الوحيد للفرحة والتقدم، السُلطة أيضاً تُريد اقناعك بذلك، هل تتذكر عندما دهست مدرعات الجيش المتظاهرين أمام ماسبيرو، فبرر السادة المسئولين ذلك بأنها "نرفزة ملعب" ؟ 
إليك عزيزي الذي قرر أن يتفرغ لكُرة القدم:

أعلم جيداً أنك لجأت لهذا الحَل بعد أن يئست من وجود أية مصادر أُخرى للفرحة في مستنقع الخراء الذي نعيش فيه.. لكن أرجوك، لا تنكس الأعلام بعد انتهاء المباراة... على الأقل.
علي هشام

15 أكتوبر 2013

الثلاثاء، 8 أكتوبر، 2013

مصر.. ع القهوة

جلست مع (مصر) على أحد مقاهي وسط البلد، وعندما سألتها "تشربي إيه؟"، أجابت "قهوة سادة وخلاص". أقلقتني كلمتها الأخيرة، لكنها ما إن لاحظت ملامح وجهي حتى فَسَّرت الكلمة، قالت إنها كانت تشربها "زيادة" زمان، لكنها باتت تشربها –سادة- لأن كُل شيء "مَسَّخ". طلبت مصر فنجانين بينما اكتفيت أنا بواحد.
أثناء انتظارنا المشروب.. قالت لي –مصر- أنها أدمنت القهوة هذه الأيام، فهي تحاول أن تتغلب بها على الاكتئاب الذي صار يجعلها تميل إلى النوم الفجائي بدون مقدمات، كما أخبرتني بأن عُمرها ما كانت تصدر غطيطاً وهي نائمة، الآن باتت تشخر كثيراً.
عندما وصلت القهوة، أخذت رشفة من الفنجان مصدرة صوتاً.. وأثناء كلامنا عن الدنيا بشكل عام، أبدت لي –مصر- نفورها من الرسوم الكاريكاتورية التي تملأ الصحف دائماً التي تجسدها في شخصية امرأة تبكي مرتدية عباءة بيضاء وخماراً فوق رأسها بألوان العلم الثلاث "الأحمر والأسود والأبيض" بينما يجلس بجانبها رجل بزي عسكري وآخر شرطي وبجانبهما شيخ وقسيس يكفكفون لها دموعها.. أبدت انزعاجها الشديد من الفكرة التي باتت مكررة ومبتذلة ومهروسة وماسخة زي القهوة السادة اللي بنشربها –كما قالت-. وأتمت كلامها: وبعدين.. إيه السهوكة دي ؟
وبالمناسبة.. قالت لي إنها مَلَّت من أغلب من يعيشون على هذه الأرض، وأنها قاطعت محطات التليفيزيون والجرائد.
أخذت رشفة أٌخرى من القهوة.. وضعت فنجانها، وقالت بوجه مكفهر: دي الأخبار بقت مقرفة ومكررة بشكل ممل يا أخي.
وقالت لي –مصر- إنها منعزلة هذه الأيام، مستمتعة بعزلتها. تقضي وقتها بين القراءة لتوفيق الحكيم وصلاح جاهين، وسماع الشيخ إمام وسيد درويش.. ناس من الزمن النضيف –مصر قالت لي كده-.
تنهدَتْ.. ثم سألتني "وانت عامل إيه ؟"، فأطلقت زفيراً وأخبرتها بأن لا داعي لهذا السؤال المحرج في هذه الأيام.
خَيَّم الصمت على النقاش لثوان.. فأطلقت مصر آهة باغتتني. ظننتها ستقول شيئاً مهماً، لكنها تابعت: آآآه.. القهوة دي صايصة قوي. ثم ضَحكَتْ بسخرية مريرة.. فضحكتُ أنا بدوري.
وعندما سألتها عن مُرشحها الذي ستنتخبه في الانتخابات الرئاسية القادمة، أطلقت –مصر- ضحكة رقيعة جلجلت في القهوة، ثم أسكتتني بإشارة من يدها، متمتة: ضحكتني وانا ماليش نفس، الله يخَيِّبَك.
وبمناسبة أنها أخبرتني بأنها تسمع الشيخ إمام في هذه الأيام، سألتها: "يا مصر.. لسة عددنا كتير؟".. فأجابت: "يعني انت سبت الأُغنية كلها ومسكت في دي؟".. فأخبرتها بأنني مش فاهم. فقالت: "أحسن برضه".
كما أخبرتني –مصر- برغبتها في الهجرة خارج البلاد، مبررة ذلك بأنها عايزة تسيب لنا كلنا البلد وتمشي. وكانت إجابتي بأن كلح وجهي وأطلقت بسملات وحوقلات متتابعة، واستفهمت: "حتى انت ؟ تهاجري برا مصر وتسيبي لنا البلد ازاي ؟ انت مصر!" فأشاحت بوجهها بعيداً متمتة بنبرة لا تخلو من تهكم: "مش قلتلك مانتاش فاهم أي حاجة.. اسكت بقى واشرب القهوة اللي زي وشك دي".
وعندما سألت مصر عن مانعها من الهجرة، أجابت مبررة: "مشاكل مادية مصيرها تتحل" !
يربت "عنبة" –القهوجي- بيده على كتفي، مردداً:
-          أستاذ علي .. أستاذ علي .. انت بتكلم نفسك ؟؟
اعتلدت في جلستي.. فَرَكْتُ عَيْنَيَّ،  فلم أجد أحداً يجلس أمامي.
لم أعرف حينها إذا كنت سأُحاسب على فنجان واحد أم ثلاثة.

علي هشام
نُشِرَت في "الموجز"

الاثنين، 30 سبتمبر، 2013

حينما تموت محظوظاً


التاريخ: الثلاثون من سبتمبر/ أيلول عام ألفين، أي في مثل هذا اليوم الذي أكتب فيه، في ثالث أيام الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
المكان: فلسطين.. تحديداً: قطاع غزة.. وتفصيلاً: شارع صلاح الدين.
ولدٌ يبلغ من العُمر اثنتي عشرة عاماً اسمه "محمد جمال الدُرة"، يحتمي في ظهر أبيه المُحتمي خلف برميل أسمنتي، بعد وقوعهما في معمعة تبادل إطلاق نيران بين جنود الاحتلال الإسرائيلي وقوات الأمن الفلسطينية، يشير الأب بكفه للجنود بوقف اطلاق النار، وفجأة اشتدت النيران وركد الصبي على ساقي أبيه، مُعلماً إيانا باستشهاده برصاص الاحتلال.
مُفزع ومُبكي أن اضطر لقَص حكاية "محمد الدرة" في بداية مقالي حينما أقرر أن أكتب عنه. ثمة أُناس يعيشون معنا في نفس الوطن لم يسمعوا هذا الاسم من قبل أصلاً ولا هذه القصة التي تقشعر لها الأبدان، ربما تصادف أن شاهدوا على الفيس بوك صورة للـ"درة" لا يعلمون من صاحبها، ولم يهتموا بمعرفته أصلاً.
في رأيي أن "محمد الدُرة" محظوظ لأسباب شتى.. ليس فقط لإنه نال شرف الشهادة –هكذا نحتسبه والله حسيبه-، وليس فقط لأنه الآن في جنان خُلد الرحمن..
محظوظ ذلك الصبي لأنه لم يعش على هذا الكوكب أكثر من اثنتي عشرة سنة. ولأنه مات طفل بقلب أبيض، قبل أن تدنسه الحياة كما تفعل في الناس بطبيعتها.
محظوظ "محمد الدرة" لأنه ترك بلاده وذهب إلى الجنة قبل أن يشهد صراعات ونزاعات "فَتح وحماس"، المنشغلان في الصراع على كراسي السلطة بينما يبني المحتل مستوطنات جديدة ويُهجِّر أصحاب الوطن والأرض.
محظوظ ذلك الشهيد لإنه لم يعش إلى اللحظة التي يتولى فيها "محمود عباس" رئاسة فلسطين، ذلك الذي اعترف بالمحتل كـ"دولة"، وتنازل عن حَق العودة.. تنازل حتى عن "صفد – مسقط رأسه". ويواصل الدعس يومياً على دماء الشهداء.
محظوظ ذلك الشهيد لأنه لم يعش أكثر من ذلك بين العرب، وبالتالي لم يشهد أكثر من ذلك خذلاناً ونسياناً للقضية.
محظوظ لإنه لم يشهد اللحظة التي يتاجر فيها فصيل –وصل للحكم يوماً- في مصر بآلامه، فيرد عليه معارضوه بالتشهير بفلسطين وشعبها والدعوة للتخلي عن القضية.. ليست فلسطين أسعد حالاً في أي الوضعين.
الشهيد محظوظ، لإنه لم يستمر في هذا العالم القميء أكثر من ذلك، وسافر إلى عالم آخر.. أفضل.
علي هشام
30 سبتمبر 2013


الثلاثاء، 17 سبتمبر، 2013

البقية في حياتهم


تحدق في وجه مذيعة نشرة الأخبار فاتنة الجمال، تصوب نظرك نحو عينيها العسليتين، تنظر لشفتيها المتلامستين ناطقة ميماً مفتوحة، تتباعد الشفتان ناطقة حرف القاف ساكناً، يخرج اللسان لتنطق تاءً مفتوحة، ثم تتباعد الشفتان مرة أُخرى ويلتصق اللسان بالحلق لينطق لاماً: (مَــقْــتَــل..).
تنظر للوجه كله مرة أُخرى.. تتأمله، وتشير في بالك إلى أنك تحب النساء اللواتي يضعن مساحيقاً خفيفة غير واضحة لتُظهر وجههن طبيعياً كما خلقه الخالق.
تخفض صوت التلفاز قليلاً، تشيح بوجهك بعيداً عن شاشته.. بعد أن تستأذن المذيعة بإشارة من يدك في الالتفات لالتقاط هاتفك النقال للرد عليه لتتلقى خبر وفاة أحد أعز أصدقائك المرافقين لك دائماً في المظاهرات والاشتباكات:
"تملأك الحسرة ويتبدد بك الحزن"
-         إيه ؟! بتقول إيه ؟! مات !! ازاي ؟؟ ده حتى مفيش اشتباكات النهارده .....!!
-         مات موتة ربنا.. عادي.
تومئ متفهماً بعد أن يهبط شعورك بالحسرة والأسى إلى المنتصف:
-         ممم.. الله يرحمه. الجنازة امتى؟؟
تذهب إلى صلاة الجنازة، تتذكر صديقك. تدعو له وتذرف دموعاً بحُرقة. وفجأة وانت تكفكف دموعك بالمنديل الورقي.. تشعر بالعار لكونك تبكي على شخص مات حتف أنفه، لم يقتل بالخرطوش أو الرصاص الحَي أو خنقاً بالغاز.
---

"لقد خلقنا الإنسان في كَبَد" – صدق الله العظيم
خُلق الإنسان في كَبَد، تعب ومشقة. لم يشترط –عز وجل- أن يكون من ضمن هذا الكَبَد: السياسة و"قرفها" !
يبدو أن ثمة حياة أُخرى تُعاش على هذا الكوكب غير ما نعيشها نحن.
---
حين تختزل حياتنا ونقاشاتنا في ذلك الاختراع المُسَخَّر لخدمة أطباء الأمراض النفسية والعصبية "السياسة". حين ينسى الأصدقاء أن ثمة أشياء أُخرى تدعو للمخاصمة غير الاختلافات الأيدولوجية. حين تمر كلمة (مقتل) أمام أعيننا مرور الكرام كل يوم في نشرة الأخبار بينما يتغزل الرجال في جمال المذيعة، والنساء في أناقة الـ"شيميز" التي ترتديه. حين ننسى أن ثمة أسباب كثيرة لموت الإنسان غير الدهس والحرق والقنص والخنق بالغاز في عربة الترحيلات. حينما نشعر بالعار عند الالتفات عن السياسة، حتى ولو للحزن على صديق مات، (موتة ربنا)..
علينا أن نعلم، أننا قد متنا قبل الأوان.
عزيزي  القارئ.. اعطني يدك، دعني أربت عليها، ثم...
البقية في حياتهم.
علي هشام
18 سبتمبر 2013

الجمعة، 13 سبتمبر، 2013

ثورة أحلى حتة في الفرخة

دعوني أبدأ مقالي متفائلاً، على سبيل (جر الرجل) بلغة التجار الدارجة -باعتبار أنني بائع نصوص طازة-، لكني لا أعدكم بأن أنهيه هكذا، قد تكون نهاية متشائمة.. ربما متفائلة.. أو متشائلة.

الثورات لا تموت.. ببساطة لأنها لا تولد، هي في الدم !
أعتقد أن الإنسان كما تجري في دمه كرات دم حمراء وخلايا بيضاء.. تسري "الثورة" في عروقه، ولكن ذلك بشرط أن يكون لديه دم أصلا !

 ثورة الإنسان -اللي عنده دم- تتجسد في أشياء كثيرة لا حصر لها. مثلا وأبسطها.. عندما كان جالساً مع أبويه وهو صغير على الغداء، هب في يوم مجيد ليلتقط "أحلى حتة في الفرخة"، كاسراً سلطوية الأب الذي يستأثر بها كل يوم.. وحين يتقدم به العمر، يترك المكتب الذي يعمل به، رغم سوء الحالة المادية، متمرداً وثائراً على مديره السئيل -واللي يحصل يحصل-. تكتمل الحكاية في يوم بأن يشارك في مظاهرات حاشدة تسقط رأس نظام الحكم.

لكن عندما تتحدث عن مصر.. فعليك أن تنحي أفكارك وتأملاتك ودراساتك السياسية جانباً.
تأكد أن السياسة لا تعرف سبيلا لأم العجائب. أما عن ما يطلق عليها في مصر "سياسة".. فأعتقد أننا نشير على منطقة في أسفل الظهر تطلق روائح كريهة.

يبدو أن ثورتنا الجميلة تنازع وتصارعم الموت في مستنقع الشر الذي نعيش فيه، والمؤسف أننا لا نأمل في أبعد من أن تنتطق المرحومة الشهادتين قبل الموت. "كان ممكن الثورة تموت موتة أحسن من دي بكتير".

علينا أن ننزل إلى الشارع ونرتب لثورة حقيقية أخرى. حتماً لن تأتي قريبا، المهم أنها -حين تأتي- تعصف بكل من قتل أو غدر أو أفسد.

ثمة أناس شرفاء سينزلون إلى الميادين بعددهم القليل ليعلوا صوت الحق، سيطالبوا بحقوق جميع الشهداء.. القدامى والجدد ومن سوف ينضمون لقائمة المغدورين، مستقبلاً. سيتكلمون وينزلون حين يستقر الآكلون على كل الموائد والأوغاد في مواقعهم التي اعتدنا عليها.. فقط حتى لا يختلط الحابل بالنابل.
13 سبتمبر 2013
علي هشام.


الثلاثاء، 20 أغسطس، 2013

أصل الإنسان – من وحي الواقع المهبب


سواء اتفقنا أو اختلفنا مع ذلك، علينا جميعاً أن نعترف بأن الدولة الآن في أشرس حالاتها. أعتقد أننا لم نشهدها كذلك منذ عقود.
المتفق مع هذا يبرهن موقفه بأن الدولة تُجابه الآن حفنة من الإرهابيين ولا يجوز التعامل معهم إلا بقبضة من حديد، أما عن من يموتون برصاصة طائشة عن طريق الخطأ.. فيا سيدي "لو كويس هيدخل الجنة، لو وحش هيدخل النار، واهو استريح من الدنيا وقرفها".
أما قيادات الإخوان، الذين لم يتبق منهم سوى "حسن البنا – له من الله ما يستحقه" لم يعتقل. فيقولون أن الدولة ديكتاتورية ومُجرمة ومتوحشة ! مع إننا، وهم أيضاً، نعلم جيداً أنهم ليس لديهم أدنى مُشكلة في ممارسة الديكتاتورية والإجرام والتوحش، كما تمارسه السُلطة الحالية، إذا كان ذلك يخدم مصالحهم.
نتيجة لجميع ما سبق.. نتأكد أن الإنسان أصله كائن "مبرراتي ملَزَّق" يشبه في تكوينه البدني: ممدوح فرج، وفي تكوينه الذهني: علاء صادق. يتغدى على الفول السوداني ويقضي حاجته أمام كاميرات الإعلام حيثما وجدت، يقتل فراغه بممارسة "التسلق".
---
-          إخواني: إذا عاد مرسي سوف نضع الـ"تيييت" في "تييييت" فلان.. ونُجلس فُلان على الـ"تييييت".. أما عِلان هذا، فسوف نضع الـ"تيييت" في صرصور أذنه.. وترتان سنكتفي بإجلاسه نصف ساعة مع "وجدي غُنيم" في غرفة مغلقة بالضبة والمُفتاح.

يتوعد الإخواني كل هؤلاء بعد أن تنتهي المعركة بانتصاره –كما يتوقع-، بينما يُمارَس ضده الآن ما يتوعد هو به هؤلاء، وهو مش واخد باله.
مما يدل على أن الإنسان أصله كائن سادي متوحش يُشبه "خالد عبد الله" وفي نفس درجة ذكائه.
---
يصفق أحدهم في مرح لقوات الأمن على غرار قتلهم لـ 36 مُتهماً أعزلاً في عربة الترحيلات.يُهلل آخر ويكبر لبعض الناس المجهولين على اغتيالهم لـ24 مُجنداً ليس لهم ذنباً في أي شيء من الأحداث الجارية.
مما يؤكد.. أن الدم أصبح في كل موضع في بلادنا، عَدا العُروق.
الناس باتوا بُلا إنسانية، وأصبحنا نعيش في "مزبلة" كبيرة..
أخشى أن يكون أصلنا  كائناً عجيب الأطوار، يجري في عروقه سائل أحمر، يبدو أنه "صلصة".
علي هشام
20 أغسطس 2013


الاثنين، 19 أغسطس، 2013

الناس اللي متاخدين في الرجلين

(1)
سألني صديقي القابع في رابعة العدوية، حينما كان بها اعتصاماً لم يفض ولم يقَم على أثره بحور من الدم، مدللاً على صحة رأيه:
هل من الممكن أن يلتقي فريقان كلاهما على باطل ؟؟
فقلت له نعم، في حالتين، عندما يكون الصراع بين عاهرة وقواد. والحالة الأُخرى، وهي لسبب شخصي أصله أنني "أهلاوي"، حينما يلاعب الزمالك الإسماعيلي!
قال لي: المثال ليس دقيقاًً، ولكن، ماذا إذا بخس القواد حق العاهرة ؟ هُنا هي مظلومة. بعيداً عن حُكم الشرع ومعتقداتي الشخصية.
تذكرت حينها الإعلان الشهير "انت اللي قُلت النيل مش انا". وقُلت له: هذه خلافات عائلية بينهما، ولا يشرفني أن أقف في صف أي منهما "العاهرة والقواد".
فأجاب: وهل يشرفني أنا أن أقف في صف أي منهما؟
تذكرت حينها الإعلان الذي ذكرته سابقاً مرة أُخرى، وأجبته مؤكداً أن الإجابة لديه هو وليست عندي.
(2)
اتُّهِم الثوار سابقاً ولازالوا، بأنهم "قلة مندسة"، واستحال هذا الاتهام العجيب سُبة. وأنا صراحة لا أجد فيها ما يعيب. فهل العيب في كون المشار إليهم قلة ؟ أحيلكم لسيدنا علي بن أبي طالب حين قال "لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه". أما إذا كانت المشكلة في الاندساس، بعيداً عن الكلام عن تمويل أجنبي واندساس خارجي وهذا الطبل الأجوف، هل يشرف أحد أن ينتمي إلى هذا العَفَن ؟؟  
فالمجد كُل المجد، لتلك القِلة الحميدة المندسة في هذا الورم السرطاني الهائل.
المجد لهؤلاء القِلة الذين يرفضون المساس بالعُزَّل من مؤيدي مُرسي، وكذلك يرفضون المساس بجُندي الجيش أو الشرطة الفقير المزجوج به في هذا الصراع رُغماً عنه، فقط لأن ميعاد تجنيده قد حان. المجد للمؤمنين بأن الحل السياسي  هو الحل، وأن الحل الأمني لن يصل بنا إلى بر الأمان، بل سيسقطنا جميعاً إلى الهاوية.. إذا لم نكن قد سقطنا فيها بالفعل.  المجد لمن لم يفرق صكوك غفران على من قتل سابقاً، أو خان. المجد لمن يقف ضد القبض العشوائي الذي تمارسه السُلطة اليوم، قبل أن يتذكر موقفه المُخزي غداً وهو في عربة الترحيلات بالصدفة. وكذلك القتل. المجد لمن ينتصر لحُرمة الدم.. المُجد لمن يقف خاشعاً أمام رائحته. المجد لمن لم ينس شهداء المعارك السابقة، ولن ينسي شهداء اليوم.
المجد لغرباء هذه الأيام، فطوبى لهم.
اللهم ثَبِّتنا على الإنسانية.
علي هشام
19 أغسطس 2013



الخميس، 18 يوليو، 2013

من مصر إلى فلسطين.. يا قلب لا تحزن

(1)
بعد أن تردد آذان الصلاة في أُذن وليدك اليمنى بعد خروجه للدنيا، والإقامة في اليسري. أو ترسم صليباً في الهواء أمام وجهه "إذا كنت مسيحياً". أو بعد أن تزغرد في وجهه "إذا كُنت ملحداً". عليك أن تتذكر عدة عبارات هامة جداً وترددها  له في آذنيه الصغيرتين:
فلسطين عربية..
إسرائيل هي العدو..
فلسطين ليست "حماس"..
"حماس" ليست كُل فلسطين..
وفي السبوع، لا مانع من ترديد بعض الشعارات الثورية التي تؤكد على المبادئ الثابتة التي لا يمكن أن تتبدل، بدلاً من (اسمع كلام امك.. متسمعش كلام ابوك)، حيث أن الأطفال "والكبار" يأخذونها من قصيرها ولا يسمعون كلام كليهما. وللتأكيد على ما رددته في آذانه يوم ولادته، نستبدل أُغنية "حلقاتك برجالاتك" بترديد: "فلسطين مش هي حماس..حماس مش كل فلسطين" على أصوات الطرق على الهون بيده.

(2)
منذ شهور، أيام حُكم الإخوان، ركبت مع سائق تاكسي، قال لي: "يا باشا عارف الكهرباء بتقطع علينا ليه ؟.. الإخوان بياخدوا كهربتنا يودوها لغزة.. آه والله".
وعندما سألت صديقة لي "فلسطينية" تعيش في غزة عن معدل انقطاع التيار الكهربي عن القطاع، كان ردها:
" قصدك وقتيش بتيجي الكهرباء ؟"
تُرى هل يعلم ذلك السائق -المضحوك عليه- أن مُرسي كتب لشيمون بيريز جواباً غرامياً ووقع في آخره بـ"صديقك الوفي: محمد مرسي" ؟؟
بافتراض أن مصر تمد غزة بالكهرباء، بل وتعطيها ما يكفيها من الطاقة "وهو غير حقيقي"، هل ذلك يؤثر على التيار الكهربي في مصر ؟ بالطبع لا، فمساحة غزة:  360 كم². تعداد سكانها حوالي 1.79 مليون نسمة. دعونا نقارنها بمحافظة المنوفية –مثلاً- وهي ليست من المحافظات شاسعة الكبر نسبة لمحافظات أُخرى. مساحة محافظة المنوفية : 2543.03 كم². بلغ عدد سكانها حسب الإحصاء الرسمي: 3,270,404  نسمة عام 2006. "لو كان المتكلم مجنون فالمستمع عاقل".
بعد البحث والسؤال علمت أن انقطاع الكهرباء في قطاع غزة يكون بـ"جدول" معلوم للكافة، وأن الكهرباء تنقطع "رسمياً" ثمانية ساعات يومياً.
وأردفت صديقتي الفلسطينية : "نفس الجدول، 8 ساعات، من صف أولى اعدادي وهي بتقطع بالساعات الطوال، يعني هيك إلها 11 سنة ع نفس الحال."
لم يغير مُرسي من أوضاع الشعب الفلسطيني قيد أُنملة، ربما قدم مساعدات لحماس بتسهيل وصول الوفود من وإلى غزة -مثلاً-، لكنه لم يقدم مساعدة واحدة للشعب الفلسطيني، وإذا حدثوك عن موقف السُلطة المصرية من إطلاق النار على قطاع غزة في نوفمبر 2012، قُل لهم: المخلوع مُبارك أيضاً في 2009 طالب بوقف إطلاق النار على غزة.
حتماً أنني إذا قابلت ذلك السائق مرة أُخرى، سوف أقول له –مرة أُخرى- أن الشعب الفلسطيني في قطاع غزة يعاني أضعاف ما نعانيه نحن، وأن الإخوان يتاجرون بآلامهم. سوف أقول له أيضاً أن الفلسطينيين في غزة يحصلون على البنزين بطلوع الروح كما نحصل عليه نحن في مصر بصعوبة أيضاً، بينما الكهرباء لا تنقطع عن بيوت أغلب قياديي حماس لإنهم يستخدموت المولدات الكهربية التي تعمل بالـ"بنزين".. المتوفر لهم بسهولة. "العهدة على رواية أصدقائئ الذين يقطنون بالقطاع".

(3)
ولأن المبادئ قد استبدلت.. ربما يعتقد البعض أنني حصرت حسنة للمخلوع مرسي في مقالي هذا "بقولي أنه لم يساعد الشعب الفلسطيني إطلاقاً، كما ادَّعى". ولكن.. هل المتاجرة بآلام إخواننا حسنة ؟
طيلة السنة الفائتة رُوِّج عن إخواننا الفلسطينيين أنهم يريدون احتلال سيناء، وأنهم يحرموننا –كمصريين- من جزء معتبر من كهربائنا ويستفيدون منه هم (كأن الكهرباء معبأ في أكياس كالعرقسوس، وبياخدوا منه حبة).
ثمة جرائم لفقت لإخواننا بدون أي وجه حق. كل ذلك بسبب علاقة مريبة بين الإخوان  "السلطة المصرية الحاكمة –آنذاك-" وحماس.
أعتقد أننا في مصر، كما نتحدث عن مصالحة وطنية وحساب للمجرمين، يجب أن نلتفت لوجوب وضع علاقة شعبنا مع أشقائنا العرب على المسار الصحيح بعد أن أنحرفت عنه كثيراً منذ سنوات طويلة وعقود.

علي هشام

19 يوليو 2013