الجمعة، 1 أبريل، 2016

ميسي في سجن العقرب

كانت الجماهير متهافتة بشدة على نجم نادي برشلونة "ليونيل ميسي" في ملعب الكامب نو عقب مران الفريق، إذ حاول كل منهم الحصول من المدرجات على أوتوجراف أو توقيع على التي شيرت أو الكرة. في غضون ثوان ودون أن يشعر أحد، انقض أحدهم على اللاعب الأرجنتيني وبَخَّ في وجهه رذاذًا أفقده الوعي على الفور، ثم خرج ثلاثة من وسط الحشد أحاطوا باللاعب وحملوه إلى مروحية الجيش المصري التي كانت قد هبطت في منتصف الملعب في هذه الأثناء. ليعودوا إلى أرض الوطن مُعلنين نجاح العملية، في حين كانت تنبعث موسيقى رأفت الهجان من موبايل أحد جنود القوات الخاصة وهو متكئ على بندقيته في تأثر بالغ.
أفاق ميسي ليجد نفسه مجردًا من كل شيء إلا ملابسه الداخلية –كانت من القطن المصري الفاخر بالمناسبة- التي كان مُعلقًا منها في منتصف الغرفة. كان يدور حوله المحقق –يشبه أحمد عيد عبد الملك- مرتديًا سير الطبنجة المُلقاة على المكتب إلى جوار الساعة، مشمرًا قميصه عن ساعديه، يقترب من المتهم ويتكتك بالقدَّاحة في أذنه.
-         مش هاتنطق بقى أ عسسسل ؟
-         No comprendo !
"لا أفهم، بالأسبانية".
-         يا فررررج !! "مُناديًا".
بقُدرة قادر، الذي شق البحر ليعبر سيدنا موسى بسلام، نطق ميسي جملة بالعربية بصوت عباس الضَو:
-         أبوس إيدك فرج لأ يا باشا !
-         أيوه كده اتعدل.. تحب أخليك تتكلم هندي ؟
التهم الموجهة للنجم الأرجنتيني ليس لها علاقة بالبلاغ الذي يحمل رقم 2308 إداري العطارين، المقدم من المواطن السكندري "مصطفى رجب" مُعترضًا على إهانة اللاعب لمصر بعرض حذاءه للبيع في مزاد يذهب عائده للفقراء في مصر. صفصفت الاتهامات في النهاية على: (قطع طريق، تكدير السلم العام، الانتماء لجماعة محظورة، تلقي تمويلات من الخارج، التخطيط لقلب نظام الحكم، حيازة مولوتوف، الاعتداء على موظف أثناء تأدية عمله، سرقة لاسلكي من أحد الضباط، تظاهر بدون تصريح، إتلاف منشآت عامة... وازدراء أديان.) وعندما استفسر اللاعب عن التهم التي لا تمت للمشكلة التي جاء على إثرها، أخبره المحقق أن تلك التهم "package" يحصل عليها كل متهم، فلا داعي لشخصنة الموضوع.
أُلقي ميسي في زنزانة مساحتها 4×5 متر، بها ثلاثين مُحتجزًا. التهوية سيئة جدًا، والهواء يسيطر عليه خليط من رائحة العرق والصنان والبيض المسلوق والتقلية. أراد حكمدار أو كابتن الزنزانة أن يبلغه بالقوانين المتبعة هنا:
-         مالك طري كده ليه ياض ؟ مش انت الواد بتاع الجزم ؟ حرامي جامع يعني، ده احنا سمعنا عنك ياما.
بص بقى يابن الــ...حلال، مفيش حاجة اسمها سحتوت، الدنيا هنا بتمشي بالسوجارة . كل واحد وعلى قد ما بيدفع وكله بالحنية بيفك، تدفع سوجارة تنام على بلاطة، تدفع سوجارتين تنام على بلاطتين، تدفعهم سوبر ح اكرمك. لو حد ضايقك تيجي قول لي ماتردش عليه. لو أنا ضايقتك تخبط راسك في أتخنها حيطة.
لكن الأرجنتيني لم يفهم ولا كلمة، ما جعل كابتن الزنزانة يعتقد أن "الواد ده بيسوق الهبل"، فبات ميسي ليلته محشورًا في الجردل الذي يبول فيه المساجين.
أصبح ميسي حليق الرأس تمامًا، بعد أن قضى عامين مسجونًا احتياطيًا بلا محاكمة، ولكن الضغوط الدولية أجبرت السلطات على البدء في محاكمته ونقله إلى سجن العقرب شديد الحراسة في زنزانة حبس انفرادي.
حكم عليه "ناجي شحاتة" بالإعدام –كعادته-، لكن محامي السفارة الأرجنتينية بالقاهرة تقدم لنقض الحُكم، فقبلت محكمة النقض وعرضت القضية على دائرة أُخرى حكمت بـ"15 سنة سجن مشدد وغرامة 100 ألف يورو"، وكانت واقعة فريدة من نوعها أن يتعامل القضاء بـ"العملة الصعبة".
ينزوي ميسي في أحد أركان زنزانة الحبس الانفرادي بعد أن خلع البدلة الحمراء وارتدى الزرقاء، ممسكًا في يده بسيجارة سوبر وهو يكتب رسالة بالعربية بعد أن أصبح مُتحدثًا لبقًا بها "لهلوبة":
"سيدي الرئيس..
تحية طيبة، وبعد..
أقدم إليك نفسي، العبد الفقير لله هو ليونيل أندريس ميسي كوتشيني (اسمي فيه "كوتشيني" مافيهاش حاجة يعني). مواطن أرجنتيني احترف كرة القدم في نادي برشلونة الأسباني، ومن أشد المتابعين والمحبين لخطاباتك منذ أن كنت وزيرًا للدفاع، بالأمارة لم تكن تنوي الترشح للرئاسة ساعتها.
سيدي الرئيس، أعداد المظاليم هنا كبيرة، كبيرة جدًا. هنا أطفال لم يتجاوزوا السادسة عشر بعد، ماذا ننتظر منهم بعد أن يخرجوا ؟ ألن يكونوا محملين بالعديد من الأفكار العدوانية ؟ أغلب الموجودين هنا شباب، وهذا هو سن الحيوية والنشاط، لماذا تلقي بهم بلادهم خلف الأسوار مع المجرمين بدلاً من أن تستغل طاقاتهم الهائلة ؟ هنا أيضًا شيوخ تجاوزوا السبعين عامًا مُتهمون بالاعتداء على أفراد الأمن، ألا ترى في ذلك شيئًا غريبًا ؟
لا أطلب منك شيئًا خارجًا عن قدراتك "أن تحيي الموتى مثلاً"، ولكني أطلب منك أن ترفع الظلم عن هؤلاء، أم يجب أن يلقي عليك أسماءهم إبراهيم عبد المجيد فردًا فردًا لينجلي الظلم عنهم مثل "معتقل التي شيرت" ؟
سيادة الرئيس.. نتكلم بقى عن "معتقل الجزمة"، أنا يعني..
أغلى ما يملكه الكاتب –مثلاً- هو قلمه، لذلك عندما يقدِّر الكاتب شخصًا، يهديه أغلى ما يملك، وهو "القلم". وأنا لاعب كرة، وسر شهرتي وسعادتي التي كنت أتمتع بها هو حذائي، لذلك عندما أردت أن أعبر عن حبي لمصر وأهلها أهديتكم إياه، ولو كنت أعلم أن هذا سيغضبكم إلى هذا الحد، كنت ضربت نفسي بكلتا الفردتين بدلاً من المرمطة دي كلها.
أشعر هنا بأن مستقبلي يضيع –إن لم يكن قد ضاع فعلاً-.. أترضاها لرمضان صبحي ؟
سيدي الرئيس، أرجو أن تنظر لحالتي الإنسانية بعين الشفقة والرحمة.
تحياتي..
ليونيل ميسي.
سجن العقرب".
---

قرأ رئيس الجمهورية الرسالة.. أغضبه بعض الشيء أن يرسل إليه أحد المساجين رسالة بها نقدًا، لكنه تأثر بعض الشيء، وقرر أن يفرج عن ليونيل إفراجًا مشروطًا بأن يقضي بقية حياته الكروية لاعبًا في الدوري المصري في نادي طلائع الجيش..


 الأمر الذي فَضَّل ميسي عليه أن يقضي خمسة عشر عامًا خلف القضبان.

الأربعاء، 30 مارس، 2016

جمهورية هو ده وقته

إذا فتحت كتالوج التبريرات، سوف تجد في الصفحة السابعة أو الثامنة على ما أتذكر، بعض البنود الهامة المذكورة.
أولها: سبب وفاة أي ضحية تعذيب “هبوط حاد في الدورة الدموية”.
ثانيها: إذا مات أحدهم بين يديك، وغلب حمارك في التنصل من فعلتك، قُل إنه مات في حادث سير، حتى ولو كانت هناك علامات تعذيب على جسده، هذه أمور هامشية.
ثالثها: لا تقُل إن أداء الحكومة هو سبب المشكلة الاقتصادية، بل قُل إن سبب ذلك “زيادة عدد السكان” –تلك هي الثروة البشرية التي استغلتها دول عدة وأصبحت سببًا في تقدمها-.
رابعها: قُل لهم إن آراءهم هدَّامة، وإنك لا ترحب إلا بالآراء البنَّاءة.
خامسها: إذا أثبتوا لك أن آراءهم بنَّاءة وأنهم يريدون الصالح العام، ولم تجد مُبررًا لفشلك، اعمل بمثل “الهجوم خير وسيلة للدفاع”، وقُل لهم في تجهم (هو ده وقته؟).
سادسها: قل لهم إن ثمة تنسيق بين السلطات وأجهزة الدولة، حتى ولو كنتم “بتنتفوا في فروة بعض”.
سابعها: أبلغهم أن “كل شيء كويس”، حتى ولو كان كل شيء “زَي وشَّك”.
ثامنها: الجرائم لا يرتكبها إلا العملاء والإخوان المسلمون والمتخلفون عقليًا.
بعد أن علمنا بواقعة اختطاف الطائرة المتجهة من برج العرب إلى القاهرة، وعرفنا مطالب المختطف بأن يرى طليقته القبرصية، وشاهدنا صورة السيلفي التي التقطها لنفسه مرتديًا الحزام الناسف المزعوم، صدرت تصريحات رسمية بأن المجرم مختل عقليًا، وهو “د. إبراهيم سماحة” الذي كان مسافرًا على متن الطائرة في أمان الله. وبعد شتيمة خلق ربنا كلهم للرجل، وبعد وصول الخبر إلى زوجة د. إبراهيم بأن زوجها قد تزوج امرأة قبرصية ثم طلقها ثم اختطف طائرة ليردها مرة أخرى، كل ده وهي نائمة على ودانها، اعتذرت السلطات للرجل، وصححت المعلومة، وأقرَّت بأنه من ضمن المختطفين وأن المجرم هو راكب آخر يدعى “سيف”.
كانت السلطات المصرية منظمة جدًا في تعاملها مع الموقف، وكان هناك تنسيق وتناغم واضح بين الأجهزة. وتجلى ذلك في تصريح وزير الطيران في المؤتمر الصحفي الذي عقده: “لن نعلن عن هوية الخاطف الحقيقي”، وبعدها بدقائق معدودات صرَّح متحدث رئاسي لـCNN  “مختطف الطائرة يدعى سيف الدين مصطفى”.
وعند سؤال وزير الطيران عن تأمين مطار برج العرب، قال “هو ده وقته؟”، والسؤال هنا: إذا كان الوزير لا يريد الكشف عن هوية المختطف، ولا يريد الإجابة عن الاستفسارات بخصوص تأمين المطار بعد أن مر منه رجل يرتدي حزامًا ناسفًا، فماذا كان يتوقع الوزير أن يُسأل حين عقد المؤتمر الصحفي؟ أن نسأله عن طريقة تسوية الديك الرومي في الفرن مثلاً؟
بعد ذلك علمنا أن أمن المطار كان قد استفسر من المختطف أثناء التفتيش عن سر الحزام العجيب الذي يحوي كتلا صلبة تشبه أصابع العجوة ويرتديه حول خصره، فأجابهم “ده حزام طبي”. ربما لو كان سُئل عن المسدس الذي في جانبه، كان سيقول “ده دمِّل”، وكانوا سيدعون له بالشفاء.
 سيطرت القوات القبرصية على الأمر وحررت الرهائن وألقت القبض على المختطف، فخرج لنا رئيس الوزراء متأثرًا بالفنانة “إنعام سالوسة” في فيلم عايز حقي، عندما طلب منها هاني رمزي في دور “صابر – ابنها” ألا تتفوه بحرف أثناء مقابلة أهل عروسته، ولا تقول سوى “إن شاء الله وألف ألف مبروك”، فكان تصريح معالي رئيس الوزراء: “إن شاء الله كل شيء كويس”.
لم يدرك وزير الطيران أن “مش وقته يقول مش وقته”، ولم يدرك رئيس الوزراء أن “كل شيء مش كويس”.. لم يدرك وزير الطيران أن “مش وقته” أصبحت حجة قديمة مُستهلَكة وغير مجدية، وأنها أصبحت لا تجدي نفعًا، ولا تُسكِت مُتسائلا، ولا تداوي جرحًا، ولا تعيد الحقوق لأصحابها، ولا تحيي قتيلا.
نعيش في وطن أصبح فيه “اللي مش وقته”، أكثر بكثير من “اللي وقته”. فلا مجال ولا وقت إلا لشيء واحد، وهو أن تقول “حاضر” وأنت ساكت.
أعتقد أنه عندما تقوم الساعة، وأقابل رب العالمين، سوف أشكو إليه الحال بمرارة، وحينما أصل إلى مفترق طرق (يمينا الجنة ويسارًا النار)، سوف أبلغ أحد الملائكة بأنني “مصري”، أتخيله يربت على كتفي في شفقة، ويفتح لي أبواب الجنة ويلقيني بالداخل من سُكات.

السبت، 12 مارس، 2016

عــلاء

(1)
ميدان التحرير
الجمعة، 8 يوليو 2011

ألتقي بعلاء أمام مجمع التحرير، سلامٌ حميم كأننا أصدقاء منذ سنوات، يصحبني من يدي في حفاوة ليقدمني لعائلته الكريمة، مانحا إياي نصيبا من التقدير علَّني أستحق بعضه، أبادلهم السلام فردا فرداً.
ثم نأخذ أنا وعلاء جانبا ليدور بيننا حوار طويل.

(2)
تونس
يوليو 2012

كان الحظ حليفي عندما أقمت أسبوعين كاملين في صُحبته، ويرجع الفضل في ذلك لمعسكرات التعبير الرقمي ومؤسسة “أضف” التي نظمتها.
كنت سعيدا لتواجدي معه، مبهورا بجسارته وشجاعته، ودفعني ذلك دفعا لأن ألتحق في الأسبوع الثاني من المعسكر بمحاضرات البرمجة التي يلقيها علاء، “بالمناسبة قضيت أسبوعي الأول في ورشة لتعلم الرسوم المتحركة”.
استمتعت بحضوره اللافت وطريقة تدريسه، شعرت بالأُلفة الشديدة، لكن –في الواقع- ازداد يقيني أن علاقتي بالبرمجة تشابه كثيرا علاقتي باللغة الصينية أو السواحلية.
كان يقف أمامي عبقري برمجيات، شعلة متقدة من المعرفة والنشاط، ولكن العبد الله كان نموذجا للفشل، لم أفهم شيئا على الإطلاق !
لم يكن مُحَبَّذاً أن يغير الفرد اختياره للمحاضرات التي يحضرها، لضيق الوقت، وحتى يحصل على المادة العلمية كاملة، ولكني لم أفضل أن أضيع أسبوعا ثمينا كهذا هباءً في دراسة شيء لا أمل لي أن أفهم فيه شيئا على الإطلاق.
في اليوم التالي، ونحن نتناول الإفطار، أبلغت علاء بوضعي، وبشعوري بأني “حمار في البرمجة”، وأربأ بك أن تدخل معركة خاسرة من البداية، فالحمار يمكنه القيام بأعمال كثيرة أقل تعقيدا من البرمجة! فهلا سمحتم لي أن أنصرف عن تلك المحاضرات حفاظا عليك وعلى جهازك العصبي في المقام الأول؟
أبلغني أنه مُقَدِّر لما أقول، وسرعان ما أبلغ إدارة المعسكر بأن يسمحوا لي بحضور محاضرات أخرى، فوافقوا.
– نفسك تحضر إيه؟
– نفسي أحضر مسرح.
– هاتحضر مسرح.
……………….
مساء آخر أيام المعسكر، ساعات قليلة ونتجه من “جرجيس” إلى العاصمة تونس في رحلة تستغرق ثمان ساعات تقريباً، ومنها إلى مصر بالطائرة.
أسير حول حمام السباحة، كان الجو بارداً بعض الشيء، وكان النعاس قد بدأ يعرف طريقاً لي، يجري صَوبي علاء وسناء، ويمسكاني من ذراعيَّ ويلقيا بي في قلب حمام السباحة.
تتعالى الضحكات من منظري المُضحك ومن المقلب، يصرخ علاء “يللاااا” ليلحقني كل أفراد المعسكر بما في ذلك “علاء وسناء” في المياه..
لم يتركوني وحيداً.
……………….
أجلس إلى جوار علاء ومنال في الباص، ألعب مع خالد النائم في مهدٍ محمول، أتفرس في ملامح وجهه التي تجمع بين ملامح والديه اللذين أحبهما كثيراً، يلاحظ كلاهما اهتمامي به، ألحظ صورة للشهيد خالد سعيد مُعلقة في مقبض فوق رأس خالد. فأبتسم ابتسامة تليق بما أراه.
– دي صورة الشهيد خالد سعيد.. ما هو خالد متسمي على اسمه!
……………….
مطار قرطاج
كانت طائرة علاء بعدنا بساعات، واكتشفنا أن نقود أغلبنا قد أوشكت على النفاد، لحسن حظي كان متبقيا معي ما يأمن وصولي إلى القاهرة. يهرع علاء إلى أول ماكينة صَرَّاف آلي، ويسحب بعضاً من النقود، يشتري لكل منا أكلا، ويترك ما تبقى من نقود مع أحدنا.
يودعنا:
– خدوا بالكم من نفسكم.

(3)
حفل توقيع مولودي الأدبي الأول “نقل عام”
مكتبة ديوان – الزمالك
5 يونيو 2013

قبل بدء الحفل، تلقيت رسالة نصية على موبايلي من منى سيف “معلش يا علي مش هانقدر نيجي، علاء جاله أمر ضبط وإحضار”.
أرتبك، ويعتريني قلق سخيف.
ساعة مَرَّت، وبينما أكتب الإهداءات للحضور الكرام، أرفع رأسي لأجد  منى تقف في دلال كفراشة زهرية اللون، تلوح لي بالكتاب في الهواء. وعلاء واضعا خالد في حقيبة مُدلاة من كتفيه، ليبدو ككنغر يضع ابنه الوديع في جيبه الأمامي، ماداً لي يده بالكتاب:
– مش هاتمضي لي؟
ثم أردف..
– ماكانش ينفع مافرحش معاك!

(4)
مسجد عمر مكرم – عزاء أبونا أحمد سيف الإسلام
30 أغسطس 2014

على بُعد خطوات من ميدان التحرير.. عشرات البوكسات والشاحنات التي تنقل أفراد الأمن والمساجين متراصة أمام العزاء، ضباط ولواءات وعساكر أمن مركزي، وأصوات “تن تنة” اللاسلكي يتكرر بشكل مستفز. بينما يقف علاء مرتديا الأبيض يتلقى واجب العزاء، قبل أن يودع مرة أخرى في السجن.
عناق طويل وابتسامة، كان هذا نصيبي من علاء، قبل أن تزداد الابتسامة اتساعاً وهو يقول:
– كبرت يا وَلَد!

(5)
23 فبراير 2015

لم أنم ليلتها في موعدي، كُنت مُترقبا مُتأهبا لجلسة النطق بالحكم في قضية “مجلس الشورى”، ولكن هجم عليَّ النوم في ساعات الصباح الأولى، فاستسلمت له على الفور، وغُصت في نوم عميق وأنا في مكاني.
انقطع نومي فجأة إثر كابوس سخيف، كُنت أهرول ناحية علاء عبد الفتاح، وأهتف له “سامحني”، فيرمقني بابتسامة اعتدتها منه، ويبتعد عن مرمى بصري، بعيدا.. جداً.
أتفحص موبايلي قبل أن أستأنف نومي، لأجد أن الكابوس قد استحال حقيقة.
“الحكم بسجن الناشط المصري علاء عبد الفتاح خمس سنوات”.
أقوم من سريري مفزوعاً، بعد تبخر النوم، أسير في اتجاهات غير منتظمة في البيت كأني أبحث عن شيء ما لا أعرفه، أشبك يديَّ وأفكها، أضعهما فوق رأسي ثم أنزلهما، أدفع باب غرفتي وأجلس على مكتبي، أخرج ورقة وأمسك قلما، ثم سرعان ما ألقي القلم من يدي، وأنخرط في بكاء مرير.

(6)
“ولنا أحلامنا الصغرى، كأن
نصحو من النوم مُعافين من الخيبة
لم نحلم بأشياء عصية
نحن أحياء وباقون..
وللحلم بقية”. – محمود درويش.

(7)
لدينا حياة جديرة بأن تُعاش، نمتلك ما نحكيه لأولادنا غير قصص مُحاربتنا للذئاب.
حلمنا حلماً لا يتناسب مع قُبح واقعكم..
فاتركونا وشأننا.

الأحد، 21 فبراير، 2016

ولا يوم من أيامك

كان بودِّي أن أُحيِّرك قليلا -عزيزي القارئ- وأتركك تسرح بتفكيرك لتصل للمُخاطَب في “كاف” عنوان المقال، ولكن –ولفشلي أغلب الأحيان في تدبير المفاجآت- قررت أن أحرق لك الأمر بدري بدري، فالعنوان كاملا: ولا يوم من أيامك يا مؤامرة.
لم يدخل “التحرير” فرد أثناء الـ18 يوماً، إلا وقد مَر على لجنة شعبية من التي كانت تعقد على بوابات الميدان. يستقبلك فيها شاب بَشوش –وكأنه كان شرطا للواقفين هناك- يطلب منك إبراز تحقيق شخصية، وبعد أن يتحقق من هويتك يقوم بتفتيشك تماماً، في أثناء ذلك يكون قد اعتذر لك بحرارة مؤكداً أنه يقوم بذلك “على عينه”، إلاَّ أنها أمور مهمة لسلامتك وأمنك بالداخل، ثم يتركك تتفضل.
لا شكَّ أن الثورة التي بدأت بـ”إيفنت” على الفيس بوك لم تكن أبدا ثورة جياع، بل إن السمة الغالبة على المشاركين فيها، كانت أنهم متعلمين –على الأقل- ولا أقصد أن أنفي مشاركة أعداد كبيرة من غير المتعلمين والمعدمين وأبناء الطبقة الكادحة، لكني أتحدث عن الأغلب.. عموماً.. في الميدان لم تكن مضطرا لتقييم أي شخص اجتماعيا أو ثقافياً، ولم يكن هناك فرق أصلاً، كان الجميع في تآلف تام.. كان الميدان هو مصر التي لم ولن نراها لا من قبل ولا من بعد، كان “يوتوبيا” بحق.
وقعت أعيننا في الميدان على لافتة “ارحل يعني Go فاهم ولا No”، سمعنا أغاني الشيخ إمام وسيد درويش، وكان هناك اتجاه واضح لترسيخ العديد من القيم والمبادئ، والتأكيد على مستوى ثقافي راقٍ عاش عليه الجميع، فلم يسمح أحد بالمساس بالمتحف المصري واعترف الجميع بقيمته التاريخية، فانعقدت حوله سلسلة بشرية تحميه في منظر مشرف، على الرغم من أن تلك المنشأة كان يعتليها من يقنصون المتظاهرين في المواجهات، وكان الجميع يعلم ذلك، لكن كانت لديهم القدرة على الفصل بين سياسات سُلطة باطشة، والمسئولية التاريخية، وبعد انتهاء اعتصامهم، لم ينجل المعتصمون عن الميدان إلا بعد تنظيفه وكنسه.. كانت ثورة رومانسية بامتياز.
خمسة أعوام مرت على الثورة، وها قد أصبحت مجرد حدث يقبل الاختلاف، يؤيده البعض، لكن من يعارضونه صوتهم أعلى –بكثير- الثورة مؤامرة، المتظاهرون إرهابيون ممولون وعملاء، الشهداء قتلوا أنفسهم، فيديوهات دهس المتظاهرين مُفبركة، صور قتل المواطنين العُزَّل فوتوشوب، الشهود كاذبون.
خمسة أعوام تم إنهاك شباب يناير خلالها تماما واستنزافهم من شتى النواحي، والآن وقد تم إبعادهم تماما عن المشهد، لم يعد لهم أية مطالب، سوى أن “تسيبوهم في حالهم”، فتطلقوا سراح من أسرتموه، وتكفوا عن ملاحقة من شارك في تلك المؤامرة، وتعتقوهم لوجه الله.
خمسة أعوام، أصبحت فيها الثورة “كُخَّة” وصار اللص –بحكم قضائي بات- الذي قامت ضده الثورة له الحق في ارتشاف القهوة داخل قفص الاتهام.
الوضع مرعب حقاً.
أن ينتحر ثلاثة مواطنين في ثلاثة أيامٍ متتالية تحت عجلات مترو الأنفاق بالقاهرة بؤسا ويأسا من الأوضاع، هذا أمر مُفزع.. أن تغرق البلاد في ظلم وفقر مدقع، وتحرم العباد من حقهم الأصيل في التأوه من أوجاعهم، بل وتلاحق من يقول (آه) وتسجنه، هذا أمر لن يؤدي إلا إلى كارثة مُحققة.
تهميش أغلب ثوار يناير، الباشوات والبكوات، المتعلمين، أبناء الطبقة المتوسطة، الذين عندما أرادوا أن يشوهونهم، ادعوا أنهم يتعاطون الكنتاكي، في الحقيقة لا يعني أي شيء.
يُحكى أن.. أيام المواجهات، كان هناك شاب بسيط يرتدي بذلة بالية، ارتدي “أحلى حاجة عنده” حتى يقابل ربنا بها إذا لقى حتفه في الميدان، في واقعة أُخرى.. أخبرتني صديقة أن أحد الباعة الجائلين دفعها بعيدا عن الضرب وقال لها قبل أن يتقدم للصفوف الأمامية “إنتي ماينفعش تموتي.. إنما أنا فيه مني كتير”.
الغلابة لا يمكن تهميشهم، وإذا قُتِل منهم واحد، يحل محله ألفٌ سوف يأتون بحقه، لن يبق أنين “مَلح الأرض” مكتوما لفترة طويلة. ولا يمكن أن يصبر أحد على الجوع، الذي تدعونا القيادة السياسية لتحمله.
إذا أردت أن تعرف عواقب الجوع، افتح كتب التاريخ وعُد لعهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، واقرأ عن “الشِّدة المُستَنصرية”، عندما أكل الناس القطط والكلاب وأكلوا الأموات، وطفقوا يأكلون الأحياء، وصنعوا الخطاطيف لاصطياد الناس من فوق الأسطح.. هذا حدث في مصر.
ربما نتعرف قريبا على شريحة من الشعب طال صمتها، إذا قلنا عنهم “كادحين”، فنحن ننعتهم بالغنى والترف، لن يطول صمتهم. سوف يقتلعون الأخضر واليابس.. لن يفرقوا بين مؤيد ومعارض للنظام، بل سوف يرون كُل من بات يوما في بيته شبعانا وهم جوعى جانٍ في حقهم.. وهي الحقيقة.
لن يحاكموا أحدا.. لن يهتفوا.. لن يعتصموا.. لن يطالبوا.. لن ينتظروا 18 يوما.. لن يتفاوضوا.
سوف يعصفون بكُل من ظلمهم، ولن ينظفوا الميادين وراءهم، بل سوف يأتون بالظلمة، ويخضعونهم، ويجعلونهم يلعقون الشوارع حتى تنظف تماماً.
حينها، سوف يترحم الجميع على ثورة يناير.. آه لو يعلمون كم كانت رومانسية!

الأربعاء، 18 نوفمبر، 2015

شخلل علشان تعيش

(1)
"قرار جمهوري يقضي بدفع 100 جنيه عن كل حالة زواج أو طلاق".
"المصري يقدر يعيش باتنين جنيه في اليوم ولا يفرق معاه". – المستشار أحمد الزند، وزير العدل المصري.
 (2)
رجلٌ مزواج ذو عينين زائغتين، كلما رأى واحدة من جنس الإناث، فغر فاهه وسال اللعاب من فمه، وجرى عليها ليطلب القُرب منها. طبعاً، فالسُنَّة تأمر بذلك "مثنى وثلاث ورباع.." وهو رجل إسلامي النزعة، يتقرب إلى الله بجلبابه ولحيته وسبحته وزيجته، لكن ما دون ذلك يصنفه تحت بند النوافل.
رغم أنه يختبئ في ذلك تحت مظلة الإسلام، إلى أن الجميع يمقتونه ويعرفون سِرَّه جيداً، فهو لا يدرك من القرآن إلا آيات النكاح فقط، كل من حوله يعلمون أنه يقوم بعمل تباديل وتوافيق لمن يتزوجهن كما "الشطرنج". يعني يتزوج أربعة، ثم تعجبه واحدة أخرى، فيرمي الطلاق على إحداهن ليضع بدلاً منها الأُخرى.. وهكذا.
بعد القرار الجمهوري، لم يعد أحد يمقته، بل أصبح الجميع يُقَدِّره، فهو يقوم بعمل وطني. أهو منه يطبق الشريعة ويحل مشكلة العنوسة ويحرك المياه الراكدة، ومنه يمد خزينة الدولة بمائة جنيه في كل زواج ومائة جنيه أخرى في كل طلاق، ما يعني أن "الراس" واقفة عليه بميتين جنيه.
الآن، هو مرشح على أحد قوائم حزب النور في مرحلة الانتخابات الثانية، ينتظر في الأيام المقبلة إما أن يتلقى نبأ نجاحه وأنه أصبح عضواً في البرلمان، أو أن يختصم الرئيس السيسي أمام الله.
(3)
حكى لي سائق البيجو أنه في يوم من أيام الانفلات الأمني السوداء، كان مسافراً على الطريق الصحراوي، أوقفه فجأة كمين من قطاعين الطرق، قال له قائدهم "شخلل عشان تعدي". فطلب السائق بكل شهامة من الرُّكاب أن "يشخلل" كل واحد فيهم بما فيه النصيب من مال عشان الليلة تعدي. فشخللوا جميعاً ومروا آمنين.
لم أكن أتصور أن "الشخللة" سوف تصير أسلوب حياة وإدارة عندنا في مصر، وأنها سوف تنتقل من قطاعين الطرق لحُكَّام البلاد. صحيح لم نعد نرى قطاعين الطرق–وياللعجب- ولم نعد في حاجة لأن نشخلل عشان نعدي، لكننا أصبحنا في حاجة لأن "نشخلل عشان نعيش".
(4)
كما تعلم –عزيزي القارئ- أن دخول "عش الزوجية" مش زي خروجه لدى الإخوة المسيحيين الأرثوذوكس، فالطلاق مُحَرَّم عندهم، وهذا الأمر أصبح يقف على الدولة بخسارة.
لا أعلم مدى صحة الأنباء التي تواردت عن تفاوض جهات سيادية مع البطريركية لـ"بحبحة الأمر شوية".. عشان تحيا مصر.
(5)
الحكاية هنا عن رجل وطني، وطني وطني يعني، هو يرى أن الوطنية تعني أن يسير عمياني وراء من في السلطة لأنهم أدرى منه بشئون البلاد والعباد. يعني يوم 11 فبراير صباحاً كان  في "مصطفى محمود" ليدافع عن بابا مبارك.. وكانت معه زوجته. أما في 11 فبراير مساءً كان في ميدان التحرير يحتفل بانتصار الثورة.. وكانت معه زوجته. عندما أمر هشام قنديل المصريين بأن يرتدوا الفالنات –أيوه فالنات- القطنية وأن يجلسوا في غرفة واحدة لحل أزمة الكهرباء، لم يكذب صاحبنا خبراً وكان يقضي يومه مع زوجته نصف عراة في غرفة واحدة تنفيذاً لكلام دولة رئيس الوزراء. في 30 يونيو كان في رابعة العدوية يدافع عن شرعية مرسي.. وكانت معه زوجته. في 3 يوليو كان عند الاتحادية يحتفل بزحلقة مرسي.. وكانت معه زوجته. التزم صمتاً مريباً في فترة تولي عدلي منصور الحكم وغلب عليه طابع الكسل وكان يقضي أغلب وقته نائماً. لكن عند تولي السيسي رئاسة الجمهورية شعر بأن شيئاً ما قد اكتمل في داخله، –وللأمانة- لم يفوِّت تفويضاً ولا مظاهرة مؤيدة للسيسي إلا وشارك فيها.. ومعه زوجته.
كانت المدام مطيعة جداً، لم تكن تعرف كلمة "لا"، إلى أن أخبرها زوجها الوطني بزيادة أنه سوف يسمع كلام وزير العدل وسيجري تعديلاً "بسيطاً" على مصروف البيت، ليصبح مصروف كل منهما 2 جنيه. نكشت زوجته المسكينة شعرها، ورفعت الشبشب، وَثَبَت وانطلقت تجري وراءه وهي تصرخ وتسبه بأفظع الشتائم، والرجل ينُط ويفُط كالكرة الجلد.
خُيِّر صاحبنا بين اختيارين لا ثالث لهما.. زوجته أو مصر. أيكمل مع زوجته غير المقدرة للظرف الاقتصادي الحرج الذي تمر به البلاد، أم يرمي عليها طلاق تلاتة ليتخلص منها ويثري خزينة الدولة بثلاثمائة جنيهاً "عشان طلاق تلاتة يعني".
هنا، فَضَّل مصر على تلك الولية المهبوشة في دماغها، ولكن لم يحل بينه وبين تنفيذ الطلاق في الحال إلا أن الثلاثمائة جنيهاً لم يكونوا جاهزين بعد. فقرر أن يدَّخر مائة بالمائة من مصروفه اليومي "2 جنيه" لتنفيذ ذلك الأمر في أسرع وقت. فظل 150 يوماً لا يصرف مليماً أحمراً، لم يأكل، لم يشرب، لم يتحرك من مكانه، عاش على "البناء الضوئي".. إلى أن كَوَّن المبلغ المطلوب..
ثم رمى عليها يمين طلاق ثلاثة وهو على أحد أسِرَّة العناية المركزة.
(6)
طَب اللي هايطَلَّق مراته يدفع 100 جنيه.. اللي عايز يطَلَّق الحكومة يدفع كام ؟

الخميس، 8 أكتوبر، 2015

سُكَّر

منذ عام، أي في السادس من أكتوبر، اكتشفت أني مصاب بمرض السُكَّر. 
بين السادس والسادس من أكتوبر، أشعر بأن ثمة أشياء قد تغيرت، حتى نظرتي للحياة.. تغيرت.
عام أصبحت فيه أقابل الإبر –حقنة الإنسولين- بشكل دوري كل يوم "أربعة مرات". كان الأمر في بادئه له رهبة ولكنها سرعان ما تلاشت، فقد تعودت عليها كما يتعود الإنسان -ذلك الحيوان المُتَكَيِّف- على أي شيء، مهما كانت عدم معقوليته وفظاعته، فقد تعودنا على (الموت) وقبلنا فكرة أن ندفن أُناساً كانوا بجانبنا منذ وقت قصير، ثم نكمل حياتنا، وعندما يسألنا أطفالنا الذين لم تلطخهم الحياة بقسوتها بَعد، نقول لهم "فلان عند ربنا فوق".
عرفت الإبر الـ4 مل والـ5 مل والـ6 مل، عرفتهم جيداً وعرفوني هم أيضاً. ولأني رضخت للمرض -غير مُتفضلاً بل حامداً ربي وشاكراً فضله- نادراً ما أصبحت تؤلمني الشكة كما آلمتني في المرة الأولى، أصبح الأمر بسيطاً.. سهلاً.. سلساً.. حتى أحد أنواع الإنسولين الذي كانت توجعني عندما أضخها، اكتشفت أني عندما أضخها ببطء لا أشعر بألمها وحرقتها، فأصبح الأمر لطيفاً.
عرفت الحقن بأنواعها، نوفو ميكس.. نوفو رابيد.. لانتوس.
قابلت الكثير من أدوية السكر أيضاً.. ديامايكرون.. أونجلايزا.. جلوكوفاج ، وعدت لمضادات الاكتئاب. سئمت نسياني للفيتامينات التي تقيني من آثار عقاقير السكر الجانبية، ولم أعتد العجوة، ولا ملعقة العسل التي تنقذ حياتي في منتصف الليل في شقة مصر الجديدة.
عرفت رعشة ودوخة السكر المنخفض، وإحساسي بالجوع الرهيب الذي قد يدفعني لأكل الثلاجة كلها غير مكترث بعدم تجانس ما آكله. عرفت الدوار وعدم التركيز اللذان يصيباني عندما يعلو مستوى السكر في الدم عن 300. عرفت أعراض كليهما وأصبحت قادراً على التمييز.
عرفت أن الدم يكون ثقيلاً –حرفياً- عندما يعلو السكر، بينما يكون خفيفاً سائلاً بشكل زائد عندما ينخفض مستواه، فأصبحت قادراً على معرفة مستوى السكر تقريباً قبل جهاز القياس نفسه، وفي كل مرة ينتصر تخميني أفرح فرحة الأطفال.
شعرت بحنان صديقي عندما غلبني التعب أثناء لعبنا البلاي ستيشن وجرى لشراء "حاجة مسكرة" من الخارج لي.
لمست حب أهلي في كل نظرة هلع.
أصبحت صحتي قضية رأي عام، أغلب من حولي على دراية بتفاصيلها، وصار ذلك يريحني تارة ويؤلمني تارتين. أزعجتني نظرات الشفقة لكن أسعدتني نظرات الـ"طبطبة"، آلمني التقليل من ما حل بي لكن زادني ثباتاً كل صوت مقدر لما لحق بي ويدعوني للصبر والجلد والقوة.
أحببت النسكافيه بلا ولا ملعقة سكر مقتدياً في ذلك بوالدي، تقبلت القهوة السادة على مضض وعشقت اللي ع الريحة والمظبوطة بجد "اللي مابتعملهاش غير أمي"، وأصبح الشاي يكفيني فيه ملعقة سكر واحدة. ولم أتخلص من حبي للآيس كريم بل ازددت عشقاً له.
كثيراً ما أشعر بالله. نعم، أنا أشعر بالله. وأوقن بأنه قد منحني بأن منعني. وأشعر بأنه قد وهبني بأن أصابني وجعلني متميزاً عن أغلب الناس. 
الله أصبح يثق بي أكثر من ذي قبل، إلى درجة أنه جعلني أقوم بوظيفة "البنكرياس" بنفسي بالرغم من أنه يعمل أوتوماتيكياً عند الناس.
أصبت بالسكر، وأصبحت سلامتي وحياتي مرهونين بشكة إبر الإنسولين بشكل دوري.
أي أن "الألم"، هو دوائي، وهو ما يجعل حياتي تستمر.

الاثنين، 5 يناير، 2015

ماذا لو خسف الله بنا الأرض؟


أكاد أن أجزم أن أغرب لحظات حياتي على الإطلاق هي عندما أفيق من نومي في الصباح، فبعيداًَ عن حالة الألزهايمر المؤقتة –وإن طالَت- التي تصيبني، كثيراً ما أتخيل أُناساً ماتوا وشبعوا موتاً يوقظونني من نومي، فمَن أيقظني بالأمس مثلاً كان المغني الأمريكي "لويس أرمسترونج" –الله يرحمه- وهو ممسك بآلة الساكسفون خاصته.
والأمر لا يتوقف عند هذا الحد فحَسب، أحياناً تخطر على بالي بعض الأفكار الطائشة المتهورة، فأنا أتذكر حينما كنت مُصِرَّاً على أن أربط بشكير الحمَّام الأحمر على رقبتي وأخرج للبالكونة كَي أطير مثل "سوبر مان"، كذلك لا يمكنني أن أنسى أفكاراً مجنونة أُخرى كالسابقة أتتني، منها مثلاً: أن أُشاهد حلقة كاملة للإعلامي وائل الإبراشي.. أو خطاباً للسيد الرئيس.
واليوم، عَنَّ بفكري سؤال في الصباح "ماذا لو انشقت الأرض وابتلعت إحدى الدول، ولتَكُن البرازيل؟"، وكانت إجابتي سريعة جداً، سوف نفقد أعظم مهارات كُرة القدم، كما سوف نفتقد أفضل بُن وكاكاو في العالَم، وكما نعلم أن الحياة لن تستوي من دونهما. أما إذا حدث الأمر ذاته لهولندا مثلاً، فسوف نفتقد بالطبع زهرة التيوليب التي تُعتَبَر هولندا المُنتج الرئيسي لها "تنتج حوالي 3 مليون  سنوياً أغلبها للتصدير".
لو حصل الأمر لروسيا بقى، فبعيداً عن فقداننا لبناتها اللواتي يحتكرن جزءً معتبراً من مخزون الجمال في العالم، سوف نفتقد بالطبع فنون الباليه وفرقة "البولشوي".
أما عن إثيوبيا التي تقع في أراضيها منابع نهر النيل وتعاملها حكوماتنا منذ عشرات السنين معاملة فَوقية تُشبه تماماً معاملة "مرات الأب"، فإن العالَم سوف يفقد أفضل عَدَّائين فيه –كذلك الحال بالنسبة لكينيا-، كما سوف نخسر دولة (أطلقت) قمراً صناعياً للفضاء العام الماضي بغرض البحث العلمي، في حين أن أقصى أمل وحلم لدينا الآن أن (تطلق) السُلطة سراح سُجناء الرأي !
طَيَّب..
واجب عليَّ كمصري أن أسأل.. ماذا لو "انشقت الأرض وبلعتنا" ؟ تُرى، هل سوف يفتقد العالم شيئاً ؟ بعيداً عن وارداتنا التي تُعَد "أكثر من الهَم ع القلب" التي سوف ترجع لبلادها، وبعيداً عن أن ثمة أموال سوف ترجع إلى أصحابها مرة أُخرى "المعونات"، كما ستعود معها أسلحة جيشنا، المشكور والله على أنه يسخر جهوده في بناء الطُرق والكباري.. في نفس الوقت الذي نستورد فيه أسلحتنا من صُنَّاع يمولوننا ويمولون الخصم بالذخيرة في آن واحد !
إذا اختفينا من هذا العالم، هل سوف يفقد الكون شيئاً سوى ذلك العدد الذي سوف يُخصم من التعداد العالمي للسكان ؟؟ والله أعلم كم واحد من هذا العدد كان مُقدر له أن يكون له شأن إذا وجد من يرعاه في بلده. فالعلماء المصريين الذين نفتخر بهم جميعاً، مثل الدكتور عصام حجي، لفظته بلاده وخَوَّنته واتهمته بالعمالة والجهل حين سعى لنهضتها، وكان "الخارج" قد فتح له ذراعيه كي يتبنى علمه وموهبته، أما لو كان هذا العالِم بقى في بلاده، الله أعلم إن كان حينها سوف يجد تعييناً في الحكومة أم لا، وإذا حصل على تعيين باعتباره "مستر عصام - مُدرس العلوم" فبالطبع لن يكون مؤهلاً حينها وسيكون معدوم الكفاءة والخبرة لأنه لم يحصل على تعليم محترم حاله حال باقي المُدرسين، وبالتالي سوف تكون النتيجة الطبيعية أن يصنع تجربة فاشلة للأولاد تنفجر في وجهه ووجوههم أيضاً، فيجري التلاميذ ويهتف أحدهم له: الله عليك يا أُستاذ.
من المؤكد أن الجميع يلاحظ وصلات "الردح" القائمة باستمرار بين الخصوم السياسيين في بلادنا المحروسة كما تشارك فيها السُلطة أيضاً، والتي ينعت فيها كُل واحد الآخر بأنه صاحب أجندة أجنبية وتابع للخارج..
في نفس الوقت الذي وصلت العولمة إلى ذروتها –تقريباً- وتتحدث الدنيا كُلها على أن العالم أصبح "أوضتين وصالة، ولا شك أننا نقبع في الحمام طبعاً"، يدور هذا كُله عندنا، ويعتقد الناس أن "الخواجة" -الذي نعيش على فُتات سيادته الذي يرميه لنا- أصم ولا يقرأ ولا يكتب ولا يرى -ومابيعملش بي بي لوحده كمان-، ولا يلحظ الفارق الرهيب بين الخطاب في الداخل الذي يصوِّره على أنه شيطان أَشِر يُكرِّس كُل وقته لإسقاط هذا البلد بالذات لتنفير الناس من كُل ساخط على السُلطة بتصوير أنه تابع للأجانب، وبين الخطاب في الخارج -معه- المفعم بالحب والمودة "إديني معونة وأباتشي ربنا يكفيك شر المرض ويوقفلك ولاد الحلال".
الحقيقة إن هذا الشيطان -الخواجة- لا يحتاج أن يُكرس وقته كله لمحاربة دولة تابعة له –فعلياً- دون أن يطلب منها ذلك، دولة تحارب إخوانها الفلسطينيين وتفرض عليهم حصاراً تماماً كالذي يفرضه عليهم الصهاينة، وتزرع كراهية إخواننا في نفوس شعبها  حتى صارت كلمة "فلسطين" سُبَّة في بلادنا. –وياللعار-.
إن الخواجة لا يحتاج لأن يحارب دولة تعتقد أن أطفالها هم أذكى أطفال العالم، كأن كُل أطفال العالم قد خُلِقوا من طين وأطفالنا مخلوقون من (مارون جلاسيه)، وإذا سلمنا بأن النظرية صحيحة، فإن هذا يعيبنا ولا يُحسن إلينا، لأننا إذا شاهدنا المُنتج النهائي من أذكى أطفال الكوكب المتمثل في "الرجال الكبار"، سوف نتأكد أن ثمة انتهاك بشع قد حدث لعقولهم في مراحل نموهم نتج عنه هذه التشوهات. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إن الخواجة لا يحتاج أن يحارب دولة تؤمن بأنها "أُم الدنيا" بعدما أصبحت دولة نامية من دول العالم التالت "أو الثالث عشر"، في مشهد مشابه جداً بالثّمِل الذي يردد "أنا جدع.. أنا جدع" وينتهي المشهد بأن يشبعه أحد الحاضرين ضرباً "لغاية أمَّا يقول يا كِفى".
دولة تنعت سُلطتها خصومها بالعمالة للخارج، في نفس الأيام التي يُثبت فيها تقرير مجلس الشيوخ الأمريكي أن نفس البلد ونفس السُلطة –وإن اختلف توزيع المراكز والأدوار- كانت تتعاون مع المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) في تعذيب معتقليها على أراضيها "الأراضي المصرية".
إن "الخواجة" لا يحتاج أن يشغل وقته بأن يُفكر –أصلاً- في دولة لا تنتج غذاءها ولا سلاحها، بل تستوردهما وتطلبهما منه. دولة تقتل أبناءها يومياً في الشوارع بدم بارد، ومن لم تصبه رصاصة البندقية.. يُلقى في السجن، ومن يفلت من الزنزانة.. يُقتل معنوياً –وهذا أضعف الإيمان-، ويكون هذا أكثرهم حظاً.
هُنا، يُلح عليَّ سؤال، هل يحتاج "الخواجة" شيئاً بعد ذلك كله كي يُحكِم السيطرة سوى ما يُرسله لنا دورياً من شُحنات رصاص حَي وغاز مُسيل للدموع ؟؟
---
فَكَّرت كثيراً فيما سوف تفتقده الإنسانية إذا خسف الله بنا الأرض، فلم أرَ أمام عينيَّ سوى "أُم أميرة" التي تخرج كُل يوم إلى شوارع "وسط البلد" قبل أن تخرج لنا الشمس من مخبأها، وتقف تلك السيدة بطولها على عربتها التي تجلب لها الرزق من خلال قَلي البطاطس عليها وبيعها، حتى توفر لابنتها مريضة القلب ثمن العلاج، وتوفر ما يسترهما أيضاً، إلى أن ماتت "أميرة" لتلحق بأبيها المُقعد.. ولازالت أُمها تعمل بحثاً عن الستر.
أملي كبير في أن تشفع لنا "أُم أميرة" المهدور حقها عند المولى حتى لا يخسف بنا الأرض التي تقف –هي- عليها، أمَّا في حال إذا كان هلاكنا أمراً لا مَفَر منه.. أدعو الله ألا يخسف الأرض بالأمتار التي تقف عليها "كُل أُم أميرة" على أقل تقدير.
"سألت الشيخ عبد ربه: كيف تنتهي المِحنة التي نعانيها؟
فأجاب: إن خرجنا سالمين فهي الرحمة، وإن خرجنا هالكين فهو العدل". نجيب محفوظ – من: أصداء السيرة الذاتية.

                                            
علي هشام