الثلاثاء، 4 مارس، 2014

"كورن فليكس" مُرشحاً لحقيبة وزارية

لم يَكُن قَد سبق لي أن رأيت صديقي "سيِّد كورن فليكس" في مثل هذه الحالة من قَبل. كان جالساً في القهوة يُبحلق في اللاشيء بذهن شارد ويبدو على وجهه الذي يتصبَّب عرقاً هَم جسيم، وما أن انتبهت لذلك حتى سألته في قلق عن ما به، فأخذ نفساً عميقاً ثم طرده في عصبية قبل أن يطلق حشرجات مُقلِقة غير مفهومة، ويجيب في تأثر: "بيعملوا وزارة جديدة.. و حتى ماكلمونيش ! تخيَّل يا أخي ؟ "
قبل أي شيء دعوته لأن يُوحِّد الله ويُحضِر لنا حاجة نشربها عَلَّنا نجد حلاً للمشكلة العويصة..
"كورن فليكس" يرى أنه كامل الأوصاف التي تؤهله لأن يتولى أجدعها منصب فيكي يا بلد. في رأيه أنَّ أحداً من هؤلاء المسئولين لا يفرق عنه شيئاً، بل إنه هو الذي يفوقهم في كُل الأشياء. هو يرى أنه قدَّم خدمات للمواطن وللصالح العام أكثر منهم جميعاً، إضافة إلى أنَّهم لا يَشعرون بالشعب مثله..
هل يمتلك أحدهم (توك توك) كـ"سيِّد" ؟؟
بالمُناسبة، التوك توك مكتوب عليه من الخلف "لو صاحبك باعك، طلع له دراعك"، وهو ما يشي بأن "كورن" يكره الخيانة، مما يضمن أنه لن يخوننا في يوم، إضافة إلى أن العبارة تؤكد أنه لا يبادر أبداً بعدوان على أحد، في حين أنَّ كُل واحد من السادة المسئولين "مطلع دراعه" ونازل تلطيش في خلق الله.
قبل أن يفيدني بإجابة عندما سألته "أي الوزارات تفضل أن تتولى يا كورن؟" أخبرني بأنه ينزعج مني عندما أحدِّثه بالفصحى، لأنه "مابيحبش جَو كابتن ماجد ده".. ثم تابع: "يا زميل أنا –وأعوذ بالله منها كلمة- اتحَط في أي مَصلحة اشتغل لَهلوبة"..
مثلاً.. وزارة الرياضة، حين كان وَزيرها في الحكومة السابقة يُطلق تَصريحاً مفاده تحريضاً على إلغاء النشاط الرياضي لأن ذلك سوف يوفر قرابة الـ600 مليون جنيه من ميزانية الدولة لمجرد أنه يريد أن يتجنب وجع الدماغ، كان "سيِّد" يُكافح من أجل اقتناء "وصلة ديش" في قهوته لكي يوفر لزبائنه مشاهدة كريمة على مباريات الدوري، إضافة إلى المجهود الخرافي الذي يبذله مع كُل ماتش في رفع أعلام الفرق المتنافسة أمام القهوة والتَخديم على المتفرجين. وبالمناسبة، اهتماماته ليست قاصرة على كُرة القدم فقط، فقد أوصى جاره "عم أحمد النجار" أن يصنع له (ترابيزة برررياردو -عشان الناس تنبسط-).  قُل لي بالله عليك، أيُّهما أفيَد للوطن ؟!
أمَّا عن وزارة الداخلية.. فالأمر مُختلِط شويتين على "كورن"، هَل مُهمة الوزارة حماية المُواطنين وتوفير الأمن والأمان لهم ؟ أم أن مهمتها الاعتداء عليهم وتعذيبهم وإهانتهم والتنكيل بهم ؟
عموماً.. في كلتا الحالتين "رقبته سدادة". مُنذ يومين كان أُسطة ورشة النجارة "عم أحمد"  يضرب أحد صبيانه، ولم ينقذ الولد أحداً من قبضة المعلم الكبير سوى "أبو السِّيد"، ولم يكتف بذلك فحسب، فقد حَنَّ قلبه من ناحية ذلك الطفل البريء الذي لم يرتكب جُرماً في حياته لكي يُعامَل بهذه الطريقة المهينة بخلاف أنه وُلِد من بطن أُمه فقيراً مما أجبره على تحمل الإهانات منذ نعومة أظافره، فأصر "كورن فليكس" على أن يأخذ للصغير حقه من ذلك الظالم المُتَجبِّر بأن جرد هذا المعلم صاحب الشنبات الفخيمة والهيبة من بنطاله في قلب الشارع، وبذلك يكون قد جعل منه فُرجة لكل من هَب ودَب وسيرته صارت على كُل لسان.. وعليه العوض ومنه العوض في "ترابيزة البرياردو" إيَّاها.
أما عن الاحتمال الآخر، أن تكون مهمة الوزارة الأصلية هي الاعتداء والتعذيب والتنكيل والإهانة، فـ"سيِّد" لا يخشى لومة لائم، ولكن في الحق طبعاً. دعوني أُخبركم بمصير الزبون الذي أضاع "قُشاطين طاولة" من القهوة في المرة الفائتة.. حَمَى وطيس المعركة بين "كورن" والرجل بعد أن فتن عليه بعض شهود العيان قائلين أنه أخبأ القُشاطين في "الكلسون لا مؤاخذة حضرتك"، وما لبث سيد أن سمع تلك الشهادات المتواترة حتى انقضَّ على الرجل فجأة وفقعه علقة معتبرة –حاكم سيِّد مايحبش اللي يلعب بيه-، وأصرَّ على أن يفتشه تفتيشاً ذاتياً إلى أن عثر على القُشاطين فعلاً في المكان المذكور، ولم يرض أن يترك الرجل وشأنه إلا عندما يأخذ حقه تالت ومتَلِّت، "ويعلِّم عليه" بأن يترك له تذكاراً أبدياً بسيطاً في هذه المنطقة ليصبح عبرة لكل من يعتبر.
أما عن وزارة الصحة، التي أصدرت آخر وزيرة لها تصريحاً تطالب اللأطباء فيه بأن "يهشُّوا" القطط من المُستشفيات ويبدأوا بالتغيير من أنفسهم أولاً قبل أن ينتقدوا المسئولين، فـ"سيِّد" صار خبيراً في شأن هَش القُطط هذا، فالمنطقة كُلها تذكر له آخر صلاة عيدعندما كان هو المسئول يومها عن تَحصين المنطقة من الكلاب والقطط في ساعات الصباح الباكرة. كما أن في تولي "كورن فليكس" مقاليد الوزارة خير لصحة المواطنين من أن تتولاها تلك السيدة.. فأنا أضمَن لكم أنَّه لن يُدلي بمثل هذه التصريحات العجيبة، مما يؤكد على أن صحة المواطنين الإنجابية سوف تبقى بخير.
انتابني قلق مفاجئ من أن يكون غروراً قد أصاب صديقي "سَيِّد"، هو الذي دفعه لأن يدَّعي أنَّه يصلح لأجدعها منصب في البلد.. سألته في هذا الشأن بحُكم علاقتنا الوطيدة وخوفي عليه، فأجاب بموشح من الحوقلات والاستعاذات بالله، ثم قال بأنه سمع ذات مرة مثلاُ شعبياً بليغاً يقول:
"لو شاف القرد حَمَار إيـدُه.. مكانش يهزها"، ثم أتم كلامه:
-          العياذ بالله من الغرور، بس لا مؤاخذة القرد أبو ألوان اللي لسه جايب في سيرته ده لو مسك منصب هاينفع الناس أكتر من كده..
 العبد لله مش فتوَّة يا زميل.. هُما اللي مش تمام.
علي هشام
مقالي الأُسبوعي الذي كان من المُفترض أن يُنشر في عدد جريدة الوادي الموقوف طبعه. (بتاريخ: الثلاثاء - 4 مارس 2014).

نُشرت في "بوابة يناير".

الأربعاء، 26 فبراير، 2014

الشوارع – للأسف - حواديت

بات يحُز في نفسي أن أَمُر من هذا المكان المشئوم، فقد شهد واقعة أليمة. كنت ماشياً من هُنا وفجأة هطلت عليَّ مياه غزيرة من حيث لا أدري، نظرت فوقي فوجدت سيدة تقف في شرفتها ممسكة بـ"جردل مسح" تطل بوجهها المرتسم عليه ضحكة بلهاء وكأنها تتأكد من أنها قد أصابت هدفها المطلوب، هاتفة: "ماتخافش يا عسل.. دي مية وسخة بس." ولا أدري ماذا كانت تنتظر "أسوأ" من ذلك !  
ولكن، هل يجوز أن يبغض المرء المشي ولو على شبر واحد من أرض وطنه، أياً كان السبب ؟ حتى ولو كان هذا المكان قد شهد واقعة كهذه، وهي بالتأكيد أقل جسامة من حدث آخر، عندما وقف واحد من خير أجناد الأرض فوق مبنى مجلس الشعب في "موقعة مجلس الوزراء" وبال -عمل "بي بي" يعني- على رؤوس المتظاهرين.. ولكن كُن متسامحاً يا أخي، واعتبر أن الذي حدث ما هو إلا خطأ فردي نتج عن دون قصد، فربما كان مزنوقاً.. يعمل على روحه يعني ؟! ولا تتعجب مما حدث في نفس الموقعة، عندما أُلقي على المتظاهرين كسر رخام وقطع أثاث وأطباق من داخل المبنى، فأنا أتذكر أن أحد أطفال العائلة أقلع عن هذه العادة السيئة عندما كبر ونضج، ولكن بعد أن أصاب –وهو صغير- رجلاً غلباناً بعاهة مستديمة في أنفه، جعل ذلك التفريق بين حرف النون وباقي الحروف في كلامه أمراً مستحيلاً.
أعلم أن الكثير من شوارع الوطن قد باتت تذكرنا بآلام أُخرى جسيمة، ولكن لا أعتقد أن أحداً لم يسمع "شيرين" -أطال الله في عُمرها الذي تفنيه في خدمة هذا الوطن وشبابه، فلولا أعمالها الثمينة لما احتفلنا بإنجازات الوطن.. في كأس الأُمم الأفريقية لكرة القدم طبعاً- عندما قضت جزءًا معتبراً من أُغنيتها الشهيرة في المحايلة والزن على المستعمين لترقيق قلوبهم شوية من ناحية الوطن، قائلة: ماشربتش من نيلها ؟ طيب جربت تغنيلها ؟ جربت في عز ما تحزن تمشي في شوارعها وتشكيلها ؟ مامشيتش في ضواحيها ؟ طيب ماكبرتش فيها ؟ ولا ليك صورة ع الرملة كانت ع الشط في موانيها ؟؟... لم أكن أخشى بعد هذا الكم الجسيم من المحايلة في هذا المقطع سوى أن يبدأ الكوبليه المقبل بـ"طب هات نص جنيه افطر الله يحنن عليك".
لم أصمد كثيراً أمام إلحاح الست شيرين في أغنيتها، وقررت أن أنظر لشوارعنا بنظرة أُخرى، نظرة أكثر عمومية وشمولية. رأيت في الشارع شباباً تربوا على سعار جنسي، جعل عقولهم في أنصاف أجسادهم السفلى، دفع أعينهم لأن تبحلق في أي أنثى سائرة، هاتفين فيها: "مصلحة وللا مرَوَّحة"، وربما سمح ذلك السعار لأغلبهم أن تمتد أيديهم هي الأُخرى على أجساد البنات. أما على الصعيد الآخر، فكثير من البنات باتت تفضل أن تسير في الجحيم ولا تسير في الشوارع، وهناك قطاع آخر منهن تكيف مع الوضع ولم يرحمه هذا السعار الذي شبط في أقرانهم الذكور، مما يدفعهن لأن يهمسن بصوت خفيض –عشان عيب- في آذان صديقاتهن "بصي الواد المُز أبو شعر مسبسب اللي جاي علينا ده، جامد موت.. هييييح". رأيت في الشوارع لصوصاً يرتعون في أمان دون رادع، مستبيحين ما هو محرم عليهم حيث يقدرون في أية لحظة على "تثبيت" أجدعها سائر في الشارع وسرقة مقتنياته.
رأيت في الشارع أُناساً على وجوههم ملامح الأسى والحُزن بعد أن يأسوا من إدراك حياة كريمة، بينما رأيت آخرين يضحكون هروباً من الهم الذي يعرف طريقهم جيداً "وكأنه لم يعد أحد في هذا البلد دون أنين – تعبير استخدمته من قبل في مجموعتي القصصية الأولى (نقل عام)-"..
رأيت في الشارع تراباً سار عليه الشهداء -أشرف من فينا- في يوم من الأيام.. هو نفسه التراب الذي يدهسه الآن من قتلهم وهو طليق لم يحاسَب ولم يقتص منه.

"الشارع ده كُنا ساكنين فيه زمان.. كل يوم يضيق زيادة عن ما كان.. أصبح الآن بعد ما كبرنا عليه..

زى بطن الأم مالناش فيه مكان" – على رأي عَم مصر: صلاح جاهين، في قصيدته "الشوارع حواديت".

الحياة في البلد أصبحت صعبة.. فاللهم هَوِّنها علينا. وحواديت الشوارع باتت بائسة، فاللهم نَجِّنا منها.. أو نَجِّها منا.. أيهما أصلح.

- - -

ما لبثت أن انتهيت من مقالي هذا حتى دلفت إلى القهوة التي يعمل بها صديقي "سيد كورن فليكس"  لكي أعرض عليه ما كتبت قبل أن أُرسله إلى الجريدة هذا الأُسبوع.
دعني أخبرك بأصل التسمية.. اسمه "كورن فليكس" لأنه أول من أدخل هذا الاختراع إلى القهاوي البلدي، في المبتدأ لقى الموضوع استهزاءً من أولاد الكار وبعض الحاقدين، لكنه آمن بما قاله غاندي: "في البداية يتجاهلونك، ثم يسخرون منك، ثم يحاربونك، ثم تنتصر" أصله مثقف. سيد عمل بنصيحة الحاج غاندي وانتصر فعلاً وصارت قهوته شهيرة بهذا الاختراع الغريب على زبائنه الذين افتكروه في بداية الأمر "عَيل طري" لأن ذلك الاختراع يبدو افرنجياً بزيادة وغريباً عليهم، لكنه أثبت لهم أن الكابتن ممدوح فرج يتغذى عليه، بعد أن استعان بأخيه الذي حصل على شهادة دورة الـ"فوطوشوب"، في تركيب صورة للكابتن بعضلاته المفتولة وبجانبه طبق كورن فليكس.. ومن يومها، والناس وقعوا في غرام هذا الاختراع اللوزعي، حتى إنهم راحوا يأكلون هذا الكورن فليكس صباح مساء حتى إن "سيد كورن فليكس" أصبح يُعامَل في المنطقة كبطل شعبي.
المهم أنني وجدت الشارع مقلوباً أمام قهوة "سيد"، وبعدها عرفت أنه في مشاجرة مع أحد الزبائن حيث أضاع الزبون (قُشاطين طاولة). سرعان ما انتبه لتواجدي في المكان ففض الليلة وسحب كرسيين وجاء لي مسرعاً. قرأت له المقال وأشاد به جداً، وأخبرته عن قلقي من أن ينهش أحد النقاد في ناعتاً إياي بالتعالي على الشعب والبلد لأنني أقول أن العيشة فيها بقت صعبة. نظر لي "كورن فليكس" نظرة ملؤها الحنق، وقال لي بصوته الذي يشبه الشكمان المخروم:
"انا قلتلك يا زميل لما اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده... إن دي حقيقة مش رأي" !!
علي هشام

الثلاثاء، 18 فبراير، 2014

لابسين...

لم يكن من الضروري أن تخرج مواكب فرقة "حسب الله" المهيبة بأعداد كاملة من العازفين، فكان يكفيها تواجد -في حدود- أربعة آلاتية محترفين فقط يسيرون الليلة بأكملها، بينما الباقون كانوا كومبارسات، لا يفقهون شيئاً في أُمور الموسيقى وكان تواجدهم فقط لكمالة العدد وإكساب الموكب مزيداً من الهيبة والوقار، كانوا كالعازفين الأصليين يتشحون بالزي الكاكي المزركش ويمسكون بالآلات النحاسية نافخين أشداقهم محركين أصابعهم على المفاتيح متمايلين بجذوعهم "قال يعني بيعزفوا".. أطلق عليهم أولاد الكار (لابسين مزيكا). كُل جالس على مقهى في شارع محمد علي كان مُرشحاً لأن "يلبس مزيكا" بمجرد أن يصافحه أحد سماسرة الفرقة ويسأله: "تلبس مزيكا ؟؟" بينما الآن.. وقد تغير العصر والزمان، أصبح كُل جالس على مقهى معرَّضاً لأن "يلبس كلابشات" -سلامٌ معتقلي القهوة-.
أعتقد أن تلك النظرية (لابسين مزيكا) أصبحت هي لسان حال عيشتنا بأكملها، وبالتأكيد البلد.. فلا أعتقد أن أحداً يختلف معي على أن البلد "لابسها عفريت" !
لم يرحم الزيف شيئاً، فقد طغى وتوغل وكسى كُل شيء وبرطع كمان في شتى جنبات البلاد..                              
الأب والأم يقبلان ابنهما في الصباح قبل أن ينزل إلى المدرسة –لابسة مدرسة- الحكومية داعين الله أن يجعل منه عالماً فذاً، حيث أنهم لا يرون للولد أية سُبُل إلى النجاح إلا عن طريق حصد درجات عالية في تلك المنظومة التعليمية الفاشلة، هم يعلمون جيداً أن "المدرسة" التي يدلف إليها طفلهم كُل يوم هي أقرب إلى "مجهلة" منها إلى هذا الاسم، وأن الله لن يجعل من ابنهم عالماً بهذا الشكل لأن زمن المعجزات قد وَلَّى، حيث يقابل الولد هُناك أُناساً "لابسين مدرسين" نصفهم لا يقدر على تفريق الألف من كوز الدُرة، يمسكون بعصيان وخراطيم مياه يجلدون بها التلاميذ جلداً خالطين بين عملهم الأصلي كمربين للأجيال وبين العمل كمربي أغنام أو الخدمة في أحد أقسام الشرطة.
في مصر.. تجد أطباءً "لابسين أطباء"  يمثلون أنهم قد تعلموا الطب بعد قضاء أكثر من ست سنوات في كنف كليتهم ذات المعامل الخربة وأنابيب الاختبار التي لم يمسوها –أصلها عُهدة-، ليتخرجوا منها بعد قضاء "مُدة العقوبة" يمثلون أنهم يعالجون مرضى بإمكانيات معدومة أصلاً، أو أن يحضر الطبيب إلى المستشفى ليتظاهر بأنه قد حضر وأدى مهمته، ولكنه في الحقيقة يكتفي باحتساء فنجان القهوة مع سيجارته. وعلى الصعيد الآخر، يذهب المرضى إلى المستشفيات، التي هي أقرب إلى "المستمرضات"، قاصدين العلاج وهم يعلمون أنهم سيخرجون من المكان بأضعاف الأمراض التي قد دخلوا بها إليه.. فإذا نجوا من غشومية طبيب جاهل ربما لا يحالفهم الحظ مع الآلات والأجهزة الغير معقمة –على سبيل المثال لا الحصر-.. حتى المريض "لابس متعالج".
أما الكُرة معشوقة الجماهير، فهي أيضاً "لابسة كورة" في مصر.. الدوري يبدأ كل عام في منتصف الموسم، تلعب فيه الفرق عدد هزيل من المباريات قبل أن يوقف لـ"ظروف أمنية".. حتى نمى لنصف اللاعبين كروش، والنصف الآخر صار يشبه أحمد جعفر في التكوين.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
يُذكر أن المشجعين شهداء مذبحة استاد بورسعيد لم يقتص لهم بعد، في حين تطلب الدولة من إخوانهم ورفقائهم أن يعودوا لتشجيع الكُرة وأن يوظفوا طاقاتهم في مكانها "الصحيح" !!!
حتى دستور البلاد الذي لم يكن يعلم أغلب المشاركين في الاستفتاء عليه موضوعه أساساً.. "لابس دستور"، لا أستطيع أن أفهم العلاقة بين مفهومه كدستور وبين الاستقرار المزعوم، وبالرغم من ذلك  فإن أحداً لم يقرأه، ولا أحد يعمل به، حتى الدولة بذات نفسها تخرقه يومياً بانتهاك حقوق المواطنين في الأقسام والشوارع بحُجة مكافحة الإرهاب.
حيث إن البلد غارقة –حرفياً- في الزيف، لا تتعجب من أمر انتخابات "لابسة انتخابات" يخوضها مرشح واحد تؤيده الدولة، والباقين هُم أشبه بالكومبارسات. وبمناسبة الانتخابات الرئاسية والكومبارسات والتطبيل المتفشي في أرجاء البلاد..
لا تنس –عزيزي القارئ- أمر فرقة حسب الله التي كانت تضع أُناساً "لابسين مزيكا" لا يعرفون العزف في صفوفها.. فلم يكن للعرض أن يكتمل من دونهم.

علي هشام

الاثنين، 10 فبراير، 2014

الحُكام لا يركبون المترو

دائماً ما تثير إعجابي فكرة "المواصلات".. ناس مدفوسون في صندوق كبير لا يشترك أيهم مع الآخر في أية شيء سوى في المكان الذي يقصده كُل منهم، وفي المترو –غالباً- لن تجد حتى تلك النقطة المشتركة بحُكم المحطات الثابتة. آلاف من البشر يترجلون في مساحات ضيقة -نسبة لعددهم- كل منهم يبتغي الوصول لعربة المترو "الصندوق الكبير". زحمة هائلة يصنعونها بأجسادهم المتكدسة حتى صاروا كأسراب النمل التي تجري بانتظام ونهم، كُل من الناس له حكاية مستقلة، له فيها ما يكفيه من كل شيء.
أما ساعات الذروة فلها تحكمات عجيبة، حيث يصل الزحام إلى مداه ويتصرف الكُل بعفوية لا مثيل لها لتزول الفروق بين هؤلاء الناس، أو لنقُل "النمل". فمثلاً.. قد تضطر بنتاً تتشح بخمار يصل إلى خصرها أن تجلس في أية مكان شاغر تجده حتى ولو بجانب رجل، وهو ما تراه هي عادةً خطيئة، ولكن الإجهاد اللعين قد أجبرها على فعل ذلك، وأيضاً محافظة على نفسها من التحرش وعيون الناس التي تشعر بأنها تخترقها، وبذلك تكون قد صنعت لنفسها قانوناً خاصاً.. حيث تجنبت خطأ جسيماً بخطأ بسيط، وطبعاً الخطأ شيء نسبي.
وفي هذا المسار العفوي.. يتملكني اليقين من وجود تفسير علمي لتلك العلاقة التي نشأت بيني -أنا راكب المترو الذي استحوذ بالكاد على مقعد- وبين ذلك الراكب الآخر الذي يقف منتصباً أمامي بينما أنا جالس. تلك العلاقة التي تتشكل بمجرد أن تلتقي عيني بعينه لدقائق قليلة تخللها الكثير من البحلقة.. فأشعر بمعاناته، مما يدفعني أن أغمزه وألكزه لأزاحم الناس وأدفعهم دفعاً عند مغادرتي حتى يستحوذ هو على المقعد من بعدي، وكأن راحته باتت قضيتي الشخصية التي يجب أن أُحارب من أجلها.. فقط، لأنني نظرت في عينه.
لم أكن أعلم شيئاً عن ذلك الشخص، بل وربما لو كُنا قد تقابلنا في موضع آخر لنشب بيننا شجار بسبب التزاحم –أيضاً- انتهى بتشويحة في الهواء وسُبة. أو ربما يكون لصاً من راكبي المترو كان سيدفس يده في جيبي ويستل ما يريد دون أن أشعر، بسبب الزحام –برضه-. أو ربما مثلياً يلتصق بي من الخلف إذا تقابلنا خارج عربة المترو فينتهي الأمر بصفعة على وجهه. وربما هو إنسان عادي كباقي خلق الله في الأرض، كان سيمر بجانبي مرور الكرام دون أن ألتفت له أو يلتفت لي.
المهم أن مهمتي لم تكن أن أُحفظ لهذا الراكب –أو غيره- راحته أو أن أهتم بها أصلاً، لكن ما حدث هو شيء تلقائي عفوي. وفي اللحظة هذه يلح عليَّ سؤال.. ماذا عن حاكم البلد والمترو وأسراب النمل هذه ؟ تُرى.. هل تلتقي عين الحاكم بأعين من يحكم أصلاً حتى يشعر بهم ؟ هل يرى الحاكم عندما يلقي خطاباً ردود أفعال الناس فعلاً ؟ "هكذا كنت أعتقد في طفولتي، أن من يظهرون على التلفيزيون يروننا كما نراهم نحن، ولهذا السبب لم أتجرأ باستبدال ملابسي يوماً أمام هؤلاء الغُرب"، أم أن ردود الأفعال تأتيه مُغلفة بدوسيهات وأختام شتى من المسئول المعنى بنقل نبض الشارع ؟ "كده وكده"، وكأن قصر الرئاسة في كوكب آخر، وكأنهم يسلبون من الحُكام حواسهم على باب القصر، فلا يقدرون على متابعة شيء بنفسهم !
هل يعرف الحاكم كُلاً من أفراد الشعب ؟ وبالطبع لا، لا أقصد تلك المعرفة التي طرقت باب تفكيرك الآن، فالمعرفة التي تقتصر على التقارير الأمنية "بلاش منها أحسن". أنا أقصد المشاكل والهموم والعيشة المُرة.
من المفترض أن الحاكم قبل أن يصير حاكماً كان محكوما، لذا فإنه عندما يظلم شعبه فذلك يعد شيئاً مفزعاً ومنافياً للمنطق، كيف تظلم أُناساً كنت أنت جزءاً منهم في يوم من الأيام ؟ فما بالكم بحاكم لم يكن محكوماً من قبل ؟
قَتَل المخلوع مُبارك المصريين وسجن الكثير خشية من حدوث ما حدث له في مثل هذا اليوم الذي تقرأ فيه يا عزيزي القارئ مقالي هذا (11فبراير – ذكرى خلع مبارك). وياللعجب، فالرئيس لم يكن يعلم أن الثورات تأتي من حيث لا يدري ! مما يجعله لا يستأهل أن يصبح رئيساً من الأساس، لأنه راسب في مادة التاريخ.
إذا أردت أن تجد تعريفاً للغباء، فانظر إلى تصرفات الطغاة بعد أن سحرتهم كراسي السُلطة مع شعوبهم التي لا يعرفون عنها شيئاً. والعجيب المُريب: أن أحداً منهم لا يستفيد من تجربة من سبقه، حيث فعلوا ما يفعل، وانتهوا.
وعلى صعيد آخر.. لا يصح أن نسمع أحداً من رجال الدولة يتحدث عن أية اهتمام بالفن، فهم لا ينصتون للفنانة نانسي عجرم، التي قالت: مفيش حاجة تيجي كده.

الأحد، 2 فبراير، 2014

اكتملت لِحية البطريق

(1)
مال عليَّ بجذعه مقدماً لي يمناه الممسكة بعلبة سجائر مفتوحة بعد أن استل هو منها واحدة أسكنها زاوية فمه، سأل:
-          سيجارة ؟
يدي الاثنتين وضعتا تلقائياً على ياقة قميصي فخراً، ثم حشرجات مفتعلة.. وإجابة:
-          لا والله.. أنا أصلي مبادخنش.
الفخر هُنا كان لشيئين، واحد أنا سبب فيه.. وهو أنني نظيف تماماً "ذلك التعبير الذي أطلقه عليَّ صديق هندي لأنني لا أُدخن، مثله"، والآخر ليس لي يد فيه على الإطلاق، وهو أن الرجل توسم في احتمالية أن أكون مُدخناً، فشكلي بات لا يشي بطفولة، أي أنني كبرت.. وهو ما قد ينجيني من يدين تمتد فجأة على وجنتي مداعبة: "لمض قوي". وعلى صعيد آخر.. نفس الشيء، قد يكون أعلن عن دخولي في دوامة الحياة الحقيقية التي تبتلع من يقترب منها، ولا أدري إن كانت قد ابتلعتني فعلاً، أم أنها مازالت لم تفعل.. وأنني لم أرَ "حاجة" بعد !
(2)
شعرٌ ناعم خفيف سكن تحت السالفين، سرعان ما تسلل إلى الذقن بينما كان قد اكتمل الشارب فوق الشفاه العُليا، ورويداً رويداً صارت لحية مكتملة بشارب كالكبار، نادراً ما توجد عند أحد من سنه. وفجأة.. باتت تُطرح أسئلة لم يعتد عليها يوماً:
-          إيه الدقن دي؟ تدين وللا روشنة وللا نتانة؟
لتأتي الإجابة العفوية:
-          نتانة طبعاً !
(3)
ترك الرجل الكرسي الذي كان يجلس عليه أمام متجره، وانتصب واقفاً مبحلقاً في وجهه متأففاً:
-          لازم يعني تمشي من على الرصيف ؟
ثم تابع متمتماً لمن بجانبه راسماً بيده لحية وهمية في الهواء على وجهه:
-          تلاقيه منهم طبعاً.
(4)
كان الطفل يجري هلعاً على درج المبنى، صائحاً: "الراجل ده بدقن" مشيراً إليه، فلحقه وأمسك به محاولاً التفاوض في هذا الأمر، فكان رده: "ابعد عني.. انت أكيد معاك كنابيل مولوتوس كمان".
منذ أن حدث هذا الموقف.. وسؤالٌ عن ما يسكن في دماغ هذا الطفل يلح عليه، أو ما أسكنه الكبار دماغ هذا الطفل وما تربى عليه، وبالفعل وجد الإجابة، هو شيء يعف لسانه عن ذكره.. لكن الطفل يسميه –في لغته-: "بي بي".
(5)
لا أدري ما الدلالة السياسية لذلك الشعر الذي ينبت للرجال في الوجه ؟؟ يعني هل إذا أزال الإرهابي هذا الشعر من وجهه صار مواطناً صالحاً وسقط عنه ما اقترفه أو ما سيقترفه ؟؟
(6)
حالة تسيطر على الواحد، كتب عنها أُستاذنا مُريد البرغوثي في روايته "رأيت رام الله": غبش شامل يغلل ما أراه، وما أتوقعه، وما أتذكره.
بينما تتملكني هذه الحالة، والتي لها صلة وطيدة بالاكتئاب، الذي أغلبه تارة ويغلبني تارتين في مستنقع العبث الذي وجدت نفسي فيه، أجلس محاولاً الكتابة بعد انقطاع، وهموم ستة عشر عاماً "عُمري" على كتفيَّ، الذي قضيت قرابة نصفهم في اللعب مع المُكعبات، والحفاظ على توازني وأنا سائر كالبطريق إلى أن أصل إلى يدي أحد أبوي المفتوحتين على آخرهما مستقبلة إياي، والتظاهر بقراءة كتب ومجلات أمسكتها بالشقلوب، ومحاولة نطق الباء والميم "بابا وماما".. أما عن النصف الثاني، وها أنا فيه الآن، أُحاول أن أستكشف هذه الدنيا الفسيحة التي دلفتها فجأة من دون رغبة، بتفاصيلها الهائلة المزعجة..
وفجأة.. أجد أُستاذي بهاء جاهين يهمس في أُذني بما كتبه في مقدمة مجموعتي القصصية الأولى:
".. وأدعو الله أن ترحم السياسة قاتلة الرجال هذا الفتى الذي انغمس فيها قبل الأوان، فيزداد عوده صلابة دون أن تشوهه مرارة العجز والخيبة والقهر وألاعيب الحواة.."
علي هشام


الجمعة، 20 ديسمبر، 2013

بين الأصابع والأحلام والأوميجا

منذ شهور قليلة، وقف على منصة اعتصام رابعة العدوية الشيخ جمال عبد الهادي، يقول للمعتصمين في الميكروفون أن الصالحين في المدينة المنورة قد رأوا سيدنا جبريل –عليه السلام- في المنام يصلي في مسجد رابعة العدوية. وهو ما لقى تصفيقاً وتهليلاً وتكبيراً هائلاً من المحتشدين مصحوباً بزغردة من النساء. وهنا يجب أن نسأل.. ما علاقة مسجد رابعة العدوية بالإخوان المسلمين سوى أنهم اعتصموا أمامه بإردتهم لا بإرادته ؟؟ هل استأجرت الجماعة بيت الله إيجاراً جديداً مثلاً ؟؟ وما علاقة محمد مرسي بـ"رابعة العدوية" أصلاً؟؟ هل بينه وبين "رابعة بنت اسماعيل العدوي" أي صلة قرابة من قريب أو من بعيد تبيح لمريديه أن يعتصموا في ميدان الست ؟؟ ما الذي يدل عليه هذا الحلم الذي أُخِذَ على محمل الجد ولماذا لا تكون "هلاوس" يا شيخ ؟؟ وهو ما لا يعيب الصالحين الذين يتحدثون عنهم -عادي، كلنا مابنتغطاش واحنا نايمين وبنهلوس-.. وهنا يُلِح عليَّ سؤال أخير: هو فيه في الزمن ده صالحين أصلاً يا شيخ عشان يبقى فيه رؤى ؟؟
وبعد أن فُضَّ هذا الاعتصام بعد ذلك بقوة غاشمة، وسقط العديد من المعتصمين..
سُرِّب إلينا منذ أيام قليلة تسجيلاً للفريق السيسي، فحواه أن السيسي يحكي للصحفي عن منامات أتت له منذ سنوات، واحدٌ منها كان يتحدث فيه إلى الرئيس الراحل أنور السادات الذي قال له "أنا كنت عارف إني هبقى رئيس جمهورية"، فرد عليه "و انا عارف إني هبقى رئيس جمهورية". وآخر كان يحمل فيه الفريق سيفاً مكتوباً عليه عبارة التوحيد بالأحمر. وآخر كان يرتدي فيه ساعة "أوميجا" عليها نجمة خضراء كبيرة. وهو ما يجعلنا نحذر سيادة الفريق بشدة من إمكانية أن تكون الساعة الأوميجا التي قضى الليل يفكر فيها "مضروبة" لأن الشركة لم تصدر موديلاً بهذه المواصفات.. ولا يصح أن يرتدي رجل البلاد الأول ساعة مضروبة. أما عن الحلم الأخير فكان لأحد قال لسيادته "هانديك اللي مديناهوش لحد".. وأنا أدعو سيادة الفريق أن يكلف الأجهزة الأمنية بملاحقة هذا المجرم الذي يتحدث بتلك الوقاحة مع سيادته، بدلاً من انشغالها بمداهمة المراكز الحقوقية اللي بتجيب حَق الغلابة من الديابة.
يالبؤس هذا الوطن، اختزل الصراع فيه بين ساعة أوميجا وأربعة أصابع، فوطن يحدد مصيره أحلام وهلاوس المتصارعين على السُلطة هو وطن بائس بامتياز. أخشى ما أخشاه، أن يحلم أحدهم بحلم كالذي يحلمه البالغون من الرجال، فتقضي "خارطة الطريق" على الشعب كله أن يقوم ليستحم جبراً في هذا البرد القارس !
أرى أن كل شيء في بلادنا قد انحط مستواه لأقصى درجة، بداية من أحلامنا نهاية بصراعنا. لقد وصلت أحلامنا إلى مداها في 25 يناير 2011، وها قد عُدنا لما قبل هذا التاريخ، لا حلم لك سوى الستر –الذي لا يأتي إلا من عند الله- وأن تبيت الليل في بيتك وعلى فراشك وليس مرميَّاً على أرض أحد الزنازين في هذا البرد معصوب الأعين مربوطة يديك خلف ظهرك، بعد أن اختطفك الأمن من بيتك وتعدى على زوجتك. -سلامٌ علاء عبد الفتاح-.
بحثت عن أحد في السُلطة أُهديه هذا المقال في مظروف مكتوب عليه "لقد انحطت آمالنا، سيادتك"، فلم أجد أحداً مُحدداً أُكلمه، اللهم إلا: مواطن وقف على حيله ست ساعات في طابور أنابيب البوتجاز، انتابته فرحة عاتية بعد أن حصل على واحدة أخيراً بأضعاف السعر الأصلي..
وأيضاً حارس مرمى منتخب تاهيتي الذي رفع يديه إلى السماء محتفلاً مع الجمهور بعد أن صد ركلة هزيلة من لاعب منتخب إسبانيا الذي هزمهم عـشـــرة/ صـــفــــــر.

الأحد، 15 ديسمبر، 2013

شُهداء من كوكب بلوتو

حاولت أن أُقنع نفسي سلفاً بأننا –كشعب- سوف نتخلى عن طابع الخنوع الذي بات يتغلغل في جيناتنا التي نورثها للأجيال عندما يصبح لكل واحد ضحية من معارفه جنى عليها الحاكم، حيث تستثار المشاعر ويصحو الضمير وما إلى ذلك، لكن سرعان ما نَبَّهت نفسي بأن أحداً لم يسلم من شرور حُكام بلدنا البهية "المتعددين".. ومع ذلك، لم يقم الشعب حتى الآن بثورة حقيقية تعصف بجميع المفسدين.. تُرى، كم لتراً من الدم يحتاجه هذا الشعب كي يفيق ويثور على الجميع ؟
حتماً أنك إذا دخلت في مناقشة مع أحد في هذه الأيام الغبراء، ستسمع منه عن صديق إبن خالته الجندي المجند في الجيش المصري الذي استشهد ضحية تفجير إرهابي في سيناء، طبعاً هو لا يحكي عنه للتدليل عن فشل قادة الدولة المنشغلين في صراعات "البيضة وللا الفرخة" في حماية ذلك الجندي الغلبان الذي لم يلق منهم إلا مُتاجرة بدمائه لنيل مكاسب سياسية رخيصة، وإنما الحكاية ليزعم بأن هؤلاء المجهولون الذين قاموا بالعملية الإرهابية ينتمون لجماعة الإخوان لذلك فهم يستحقون إبادة جماعية كما فعلت السلطة النازية باليهود، وبالطبع لن تسمع تلك الحكاية إلا من مناصر للسلطة الحالية، فهو لا يرى من الشهداء إلا الجنود وضباط الشُرطة، مُعتبراً أن من تقتلهم السُلطة هُم من كوكب بلوتو.
أما إذا كان من تناقشه من جماعة الإخوان، فلابد أنك ستجده يحكي لك عن صديقه الذي استشهد بجانبه في رابعة العدوية برصاص الجيش، وحتماً هو الآخر لا يحكي عنه لذكر قادة الجماعة الذين أفسدوا وقتلوا أيضاً عندما اعتلوا سُدَّة الحُكم.. وعندما عُزلوا، صوروا للشباب أنها حرب على الإسلام ودين الله الحق. ولَم يَلق ذلك الشباب من قادته بعد مقتله إلا متاجرة بدمائه أملاً في مكاسب دنيوية بخسة، تجسدت تلك المتاجرة في مشهد جثامين المعتصمين المتراصة إلى جوار بعضها في المشرحة، مغطى كُل منها بصورة كبيرة للمعزول مُرسي.
بين الجُندي الذي قُتِل في سيناء على يد إرهابيين، والشاب الذي قَتَلته السُلطة في رابعة العدوية.. ثمة شُهداء مُحوا من ذاكرتنا. كارثة أن تجد شهيداً يهضم حق شهيد. تُرى هل يتذكر أحد الشهيد أحمد بسيوني –على سبيل المثال لا الحصر- الذي قتله حُسني مبارك في 28 يناير 2011 بالرصاص ثم دهسته عربة الأمن المركزي؟ لم يأت حقه بَعد.
هل يتذكر أحد شيخنا ومولانا عماد عفت والدكتور علاء عبد الهادي اللذين قُتلا برصاص قوات الجيش في مثل هذا الشهر منذ عامين (2011) في موقعة مجلس الوزراء التي لا يتذكرها أحد إلا بإحراق المجمع العلمي.. ها هو قَد رُمِّم وعاد كما كان، هل زاره أحد ؟ هل عاد إلينا الشيخ عماد وفي يده الدكتور علاء ؟ لم يأت حقهما بَعد.
هل يتذكر أحد شاباً اسمه خالد سعيد ؟ الذي قُتِلَ على يد جهاز شرطة منذ ثلاث سنوات لم يتغير عن وقتها ؟ هل يعلم أحد بأن القصاص لم يأت من قتلة الشهيد خالد حتى الآن ؟ هل يتذكر أحد طَيِّب، هتاف "خالد خالد يا سعيد.. ثورة جاية من جديد" ؟
اعلموا أنَّ دماء الشُهداء لا تَجِف مَهما مَر الوَقت، وأن الشهادة لا تَسقُط بالتَقادُم.