الثلاثاء، 11 ديسمبر، 2012

خطبة عصماء في ورقة الاستفتاء


 بين مُقاطعة الاستفتاء على هذا الدستور المسلوق "على حد تعبيره" أو المُشاركة بالتصويت عليه رافضاً إياه، احتار..
-          أُقاطع هذا الاستفتاء وبذلك أكون قد نزعت عنه شرعيته وأنا لست مُعترفاً به من الأساس ؟؟ أم أذهب للإدلاء بصوتي عليه حتى لا أُخلي الساحة لهؤلاء الانتهازيين ؟؟ تُرى هل ستأتي مُقاطعتي بفائدة، أم أن الدستور سوف يُمرر حتى ولو ذهب واحد فقط للتصويت عليه .. كما حــدث في آخر مجلـس للشـورى ؟؟ وهل مقاطعتي للاستفتاء تعني فعلاً أنني قد تركت الساحة لهم ؟؟ المقاطعة سوف تسحب الشرعية من الدستور المُستفتى عليه بل وربما النظام كله .. كما حدث في الانتخابات البرلمانية 2010 حينما قاطعت أغلب القوى السياسية انتخابات الحزب الوطني، وكالعادة تركونا الإخوان المسلمون وشاركوا هُم في الانتخابات، فكانت نتيجة الانتخابات باكتساح الحزب الوطني .. ثم قامت ثورة في 25 يناير 2012، هل تُعتبر المقاطعة فعل سلبي وخيانة للوطن وللقضية ؟؟ أم أن المُشاركة في الاستفتاء تُعطي شرعية للدستور ويُعتبر هذا قمة التخلي عن المبادئ الثورية ؟؟
وأخيراً .. قرر أن يذهب إلى الاستفتاء والمشاركة فيه، والتصويت بلا .. لا لا ثم لا.
"السبت , 15 ديسمبر 2012":
يتوجه في الصباح الباكر عند فتح اللجان الانتخابية إلى المدرسة المُسَجَّل بها للإدلاء بصوته، دخل لجنة الانتخاب، تَبَسَّم في وجه من بالمكان وألقى عليهم التحية، أخذ ورقة الاستفتاء واستتر بالحاجز الخشبي الذي يقف وراءه الناخب..
نظر للورقة لمدة ليست بالقصيرة، ظَلَّ مُحدقاً فيها !! سَرَح في أدق تفاصيل الورقة .. الدائرة الخضراء "نعم"، والدائرة السوداء "لا" ..
لم يضع قلمه على الورقة حتى اللحظة ..
أمسك بقلمه، وقَرَّبه للورقة، ثم عَلَّم بعلامة "صح" أمام ((غير موافق)). ثم تنهد وذهب بيده إلى أعلى الورقة ولا أرادياً ظل يَكتُب:
" بسم الله الرحمن الرحيم، سيادة الرئيس .. تحية طيبة وبعد ..
كيف لي أن أقبل بهذا الدستور العقيم ؟؟ كيف أُصوت بالموافقة على دستور كتبته جمعية تأسيسية خالية من النقابات العُمالية والمهنية ؟؟ كيف أُصوت بالموافقة على دستور قد انسحبت من تأسيسيته الكنائس الثلاث ؟؟ كيف لي أن أُصوت بقبول دستور يُبيح محاكمة المدنيين عسكرياً في مادة مطاطة وفضفاضة "المادة 198" ؟؟ كيف لي أن أُصوت بالإيجاب على دستور لم يُكتب في توافق وطني ؟؟ وقد وعدتنا أنه سوف يخرج للنور بعد حوار مُجتمعي يا سيادة الرئيس .. وعدتنا وأخلفت بوعدك.
هذا الدستور الذي كُتَب على بعد خطوات من قنابل الغاز والرصاص والخرطوش وتحت حماية داخلية فخامتكم وشرعية إخوانك الزائفة وحصانة ديكتاتوريتكم .. لا ثم لا، لم ولن يُمَثلني مثل هذا الدستور. "
انهمك في كتابة كُل هذا .. وفجأة توقف عن الكتابة إثر طرقات شخص على الخشب الذي يقف المُنتَخِب خلفه:
-           يا أُستاذ، فاضل لك كتير ؟؟ يا استااااااذ ؟؟ اتأخرت فيه كتير مزنوقين بره !!
يرد عليه بتأوهات مُريبة كما ولو كان في "الحمام".
-          آآآه ؟؟!! جرى إيه يا استاذ ؟؟ انت بتعمل إيه جوا ؟؟ بدأنا "نـتـوغــوش" عليك ؟؟!!
"يتأوه مرة أُخرى".
كان ينهي وقتها الناخب خطبته العصماء الذي استرسل فيها كثيراً: "ورغم كُل ما كتبته لك يا سيادة الرئيس، إلا أنني قررت أن أُدلي بصوتي في هذا الاستفتاء وأُن أُزيد أصوات من سيقولون "لا" واحداً ،هو أنا ، آخر ما أُوَد أن أخطرك إياه يا سيادة الرئيس: يسقط يسقط .........................."
لم تكف الورقة لتكملة الخطبة العصماء وكتابة آخر كلمتين بها !!
وفي الفرز:
يفتح القاضي ورقة الاستفتاء المذكورة، يجد فيها كلاماً مكتوباً، يُطَبِّقها مرة أُخرى .. ويضعها ضمن الأصوات "الــبــــاطــــلـــة"!! 


علي هشام
11 ديسمبر 2012 

هناك تعليقان (2):

  1. :) اسلوبك القصصي هايل..
    بالرغم من مأساوية القصة اللي كلنا هانعيشها

    ردحذف