الاثنين، 10 فبراير 2014

الحُكام لا يركبون المترو

دائماً ما تثير إعجابي فكرة "المواصلات".. ناس مدفوسون في صندوق كبير لا يشترك أيهم مع الآخر في أية شيء سوى في المكان الذي يقصده كُل منهم، وفي المترو –غالباً- لن تجد حتى تلك النقطة المشتركة بحُكم المحطات الثابتة. آلاف من البشر يترجلون في مساحات ضيقة -نسبة لعددهم- كل منهم يبتغي الوصول لعربة المترو "الصندوق الكبير". زحمة هائلة يصنعونها بأجسادهم المتكدسة حتى صاروا كأسراب النمل التي تجري بانتظام ونهم، كُل من الناس له حكاية مستقلة، له فيها ما يكفيه من كل شيء.
أما ساعات الذروة فلها تحكمات عجيبة، حيث يصل الزحام إلى مداه ويتصرف الكُل بعفوية لا مثيل لها لتزول الفروق بين هؤلاء الناس، أو لنقُل "النمل". فمثلاً.. قد تضطر بنتاً تتشح بخمار يصل إلى خصرها أن تجلس في أية مكان شاغر تجده حتى ولو بجانب رجل، وهو ما تراه هي عادةً خطيئة، ولكن الإجهاد اللعين قد أجبرها على فعل ذلك، وأيضاً محافظة على نفسها من التحرش وعيون الناس التي تشعر بأنها تخترقها، وبذلك تكون قد صنعت لنفسها قانوناً خاصاً.. حيث تجنبت خطأ جسيماً بخطأ بسيط، وطبعاً الخطأ شيء نسبي.
وفي هذا المسار العفوي.. يتملكني اليقين من وجود تفسير علمي لتلك العلاقة التي نشأت بيني -أنا راكب المترو الذي استحوذ بالكاد على مقعد- وبين ذلك الراكب الآخر الذي يقف منتصباً أمامي بينما أنا جالس. تلك العلاقة التي تتشكل بمجرد أن تلتقي عيني بعينه لدقائق قليلة تخللها الكثير من البحلقة.. فأشعر بمعاناته، مما يدفعني أن أغمزه وألكزه لأزاحم الناس وأدفعهم دفعاً عند مغادرتي حتى يستحوذ هو على المقعد من بعدي، وكأن راحته باتت قضيتي الشخصية التي يجب أن أُحارب من أجلها.. فقط، لأنني نظرت في عينه.
لم أكن أعلم شيئاً عن ذلك الشخص، بل وربما لو كُنا قد تقابلنا في موضع آخر لنشب بيننا شجار بسبب التزاحم –أيضاً- انتهى بتشويحة في الهواء وسُبة. أو ربما يكون لصاً من راكبي المترو كان سيدفس يده في جيبي ويستل ما يريد دون أن أشعر، بسبب الزحام –برضه-. أو ربما مثلياً يلتصق بي من الخلف إذا تقابلنا خارج عربة المترو فينتهي الأمر بصفعة على وجهه. وربما هو إنسان عادي كباقي خلق الله في الأرض، كان سيمر بجانبي مرور الكرام دون أن ألتفت له أو يلتفت لي.
المهم أن مهمتي لم تكن أن أُحفظ لهذا الراكب –أو غيره- راحته أو أن أهتم بها أصلاً، لكن ما حدث هو شيء تلقائي عفوي. وفي اللحظة هذه يلح عليَّ سؤال.. ماذا عن حاكم البلد والمترو وأسراب النمل هذه ؟ تُرى.. هل تلتقي عين الحاكم بأعين من يحكم أصلاً حتى يشعر بهم ؟ هل يرى الحاكم عندما يلقي خطاباً ردود أفعال الناس فعلاً ؟ "هكذا كنت أعتقد في طفولتي، أن من يظهرون على التلفيزيون يروننا كما نراهم نحن، ولهذا السبب لم أتجرأ باستبدال ملابسي يوماً أمام هؤلاء الغُرب"، أم أن ردود الأفعال تأتيه مُغلفة بدوسيهات وأختام شتى من المسئول المعنى بنقل نبض الشارع ؟ "كده وكده"، وكأن قصر الرئاسة في كوكب آخر، وكأنهم يسلبون من الحُكام حواسهم على باب القصر، فلا يقدرون على متابعة شيء بنفسهم !
هل يعرف الحاكم كُلاً من أفراد الشعب ؟ وبالطبع لا، لا أقصد تلك المعرفة التي طرقت باب تفكيرك الآن، فالمعرفة التي تقتصر على التقارير الأمنية "بلاش منها أحسن". أنا أقصد المشاكل والهموم والعيشة المُرة.
من المفترض أن الحاكم قبل أن يصير حاكماً كان محكوما، لذا فإنه عندما يظلم شعبه فذلك يعد شيئاً مفزعاً ومنافياً للمنطق، كيف تظلم أُناساً كنت أنت جزءاً منهم في يوم من الأيام ؟ فما بالكم بحاكم لم يكن محكوماً من قبل ؟
قَتَل المخلوع مُبارك المصريين وسجن الكثير خشية من حدوث ما حدث له في مثل هذا اليوم الذي تقرأ فيه يا عزيزي القارئ مقالي هذا (11فبراير – ذكرى خلع مبارك). وياللعجب، فالرئيس لم يكن يعلم أن الثورات تأتي من حيث لا يدري ! مما يجعله لا يستأهل أن يصبح رئيساً من الأساس، لأنه راسب في مادة التاريخ.
إذا أردت أن تجد تعريفاً للغباء، فانظر إلى تصرفات الطغاة بعد أن سحرتهم كراسي السُلطة مع شعوبهم التي لا يعرفون عنها شيئاً. والعجيب المُريب: أن أحداً منهم لا يستفيد من تجربة من سبقه، حيث فعلوا ما يفعل، وانتهوا.
وعلى صعيد آخر.. لا يصح أن نسمع أحداً من رجال الدولة يتحدث عن أية اهتمام بالفن، فهم لا ينصتون للفنانة نانسي عجرم، التي قالت: مفيش حاجة تيجي كده.

هناك تعليق واحد:

  1. ليس حاكم الدولة وحده من يتصرف هكذا، إذ تجد هذا في الأساتذة الذين كانوا طلبة، والمدراء الذين كانوا موظفين، والقادة الذين كانوا أتباعا، بل حتى الآباء الذين كانوا أبناء. كثير منهم يلوم الآخرين وعندما يصل إلى مكانهم يفعل أفعالهم، دون أن يوضح سبب تحوله، بطريقة تقنع من هم في مكانه القديم.

    ردحذف