الخميس، 8 أكتوبر 2015

سُكَّر

منذ عام، أي في السادس من أكتوبر، اكتشفت أني مصاب بمرض السُكَّر. 
بين السادس والسادس من أكتوبر، أشعر بأن ثمة أشياء قد تغيرت، حتى نظرتي للحياة.. تغيرت.
عام أصبحت فيه أقابل الإبر –حقنة الإنسولين- بشكل دوري كل يوم "أربعة مرات". كان الأمر في بادئه له رهبة ولكنها سرعان ما تلاشت، فقد تعودت عليها كما يتعود الإنسان -ذلك الحيوان المُتَكَيِّف- على أي شيء، مهما كانت عدم معقوليته وفظاعته، فقد تعودنا على (الموت) وقبلنا فكرة أن ندفن أُناساً كانوا بجانبنا منذ وقت قصير، ثم نكمل حياتنا، وعندما يسألنا أطفالنا الذين لم تلطخهم الحياة بقسوتها بَعد، نقول لهم "فلان عند ربنا فوق".
عرفت الإبر الـ4 مل والـ5 مل والـ6 مل، عرفتهم جيداً وعرفوني هم أيضاً. ولأني رضخت للمرض -غير مُتفضلاً بل حامداً ربي وشاكراً فضله- نادراً ما أصبحت تؤلمني الشكة كما آلمتني في المرة الأولى، أصبح الأمر بسيطاً.. سهلاً.. سلساً.. حتى أحد أنواع الإنسولين الذي كانت توجعني عندما أضخها، اكتشفت أني عندما أضخها ببطء لا أشعر بألمها وحرقتها، فأصبح الأمر لطيفاً.
عرفت الحقن بأنواعها، نوفو ميكس.. نوفو رابيد.. لانتوس.
قابلت الكثير من أدوية السكر أيضاً.. ديامايكرون.. أونجلايزا.. جلوكوفاج ، وعدت لمضادات الاكتئاب. سئمت نسياني للفيتامينات التي تقيني من آثار عقاقير السكر الجانبية، ولم أعتد العجوة، ولا ملعقة العسل التي تنقذ حياتي في منتصف الليل في شقة مصر الجديدة.
عرفت رعشة ودوخة السكر المنخفض، وإحساسي بالجوع الرهيب الذي قد يدفعني لأكل الثلاجة كلها غير مكترث بعدم تجانس ما آكله. عرفت الدوار وعدم التركيز اللذان يصيباني عندما يعلو مستوى السكر في الدم عن 300. عرفت أعراض كليهما وأصبحت قادراً على التمييز.
عرفت أن الدم يكون ثقيلاً –حرفياً- عندما يعلو السكر، بينما يكون خفيفاً سائلاً بشكل زائد عندما ينخفض مستواه، فأصبحت قادراً على معرفة مستوى السكر تقريباً قبل جهاز القياس نفسه، وفي كل مرة ينتصر تخميني أفرح فرحة الأطفال.
شعرت بحنان صديقي عندما غلبني التعب أثناء لعبنا البلاي ستيشن وجرى لشراء "حاجة مسكرة" من الخارج لي.
لمست حب أهلي في كل نظرة هلع.
أصبحت صحتي قضية رأي عام، أغلب من حولي على دراية بتفاصيلها، وصار ذلك يريحني تارة ويؤلمني تارتين. أزعجتني نظرات الشفقة لكن أسعدتني نظرات الـ"طبطبة"، آلمني التقليل من ما حل بي لكن زادني ثباتاً كل صوت مقدر لما لحق بي ويدعوني للصبر والجلد والقوة.
أحببت النسكافيه بلا ولا ملعقة سكر مقتدياً في ذلك بوالدي، تقبلت القهوة السادة على مضض وعشقت اللي ع الريحة والمظبوطة بجد "اللي مابتعملهاش غير أمي"، وأصبح الشاي يكفيني فيه ملعقة سكر واحدة. ولم أتخلص من حبي للآيس كريم بل ازددت عشقاً له.
كثيراً ما أشعر بالله. نعم، أنا أشعر بالله. وأوقن بأنه قد منحني بأن منعني. وأشعر بأنه قد وهبني بأن أصابني وجعلني متميزاً عن أغلب الناس. 
الله أصبح يثق بي أكثر من ذي قبل، إلى درجة أنه جعلني أقوم بوظيفة "البنكرياس" بنفسي بالرغم من أنه يعمل أوتوماتيكياً عند الناس.
أصبت بالسكر، وأصبحت سلامتي وحياتي مرهونين بشكة إبر الإنسولين بشكل دوري.
أي أن "الألم"، هو دوائي، وهو ما يجعل حياتي تستمر.

هناك 3 تعليقات: