الأحد، 21 فبراير 2016

ولا يوم من أيامك

كان بودِّي أن أُحيِّرك قليلا -عزيزي القارئ- وأتركك تسرح بتفكيرك لتصل للمُخاطَب في “كاف” عنوان المقال، ولكن –ولفشلي أغلب الأحيان في تدبير المفاجآت- قررت أن أحرق لك الأمر بدري بدري، فالعنوان كاملا: ولا يوم من أيامك يا مؤامرة.
لم يدخل “التحرير” فرد أثناء الـ18 يوماً، إلا وقد مَر على لجنة شعبية من التي كانت تعقد على بوابات الميدان. يستقبلك فيها شاب بَشوش –وكأنه كان شرطا للواقفين هناك- يطلب منك إبراز تحقيق شخصية، وبعد أن يتحقق من هويتك يقوم بتفتيشك تماماً، في أثناء ذلك يكون قد اعتذر لك بحرارة مؤكداً أنه يقوم بذلك “على عينه”، إلاَّ أنها أمور مهمة لسلامتك وأمنك بالداخل، ثم يتركك تتفضل.
لا شكَّ أن الثورة التي بدأت بـ”إيفنت” على الفيس بوك لم تكن أبدا ثورة جياع، بل إن السمة الغالبة على المشاركين فيها، كانت أنهم متعلمين –على الأقل- ولا أقصد أن أنفي مشاركة أعداد كبيرة من غير المتعلمين والمعدمين وأبناء الطبقة الكادحة، لكني أتحدث عن الأغلب.. عموماً.. في الميدان لم تكن مضطرا لتقييم أي شخص اجتماعيا أو ثقافياً، ولم يكن هناك فرق أصلاً، كان الجميع في تآلف تام.. كان الميدان هو مصر التي لم ولن نراها لا من قبل ولا من بعد، كان “يوتوبيا” بحق.
وقعت أعيننا في الميدان على لافتة “ارحل يعني Go فاهم ولا No”، سمعنا أغاني الشيخ إمام وسيد درويش، وكان هناك اتجاه واضح لترسيخ العديد من القيم والمبادئ، والتأكيد على مستوى ثقافي راقٍ عاش عليه الجميع، فلم يسمح أحد بالمساس بالمتحف المصري واعترف الجميع بقيمته التاريخية، فانعقدت حوله سلسلة بشرية تحميه في منظر مشرف، على الرغم من أن تلك المنشأة كان يعتليها من يقنصون المتظاهرين في المواجهات، وكان الجميع يعلم ذلك، لكن كانت لديهم القدرة على الفصل بين سياسات سُلطة باطشة، والمسئولية التاريخية، وبعد انتهاء اعتصامهم، لم ينجل المعتصمون عن الميدان إلا بعد تنظيفه وكنسه.. كانت ثورة رومانسية بامتياز.
خمسة أعوام مرت على الثورة، وها قد أصبحت مجرد حدث يقبل الاختلاف، يؤيده البعض، لكن من يعارضونه صوتهم أعلى –بكثير- الثورة مؤامرة، المتظاهرون إرهابيون ممولون وعملاء، الشهداء قتلوا أنفسهم، فيديوهات دهس المتظاهرين مُفبركة، صور قتل المواطنين العُزَّل فوتوشوب، الشهود كاذبون.
خمسة أعوام تم إنهاك شباب يناير خلالها تماما واستنزافهم من شتى النواحي، والآن وقد تم إبعادهم تماما عن المشهد، لم يعد لهم أية مطالب، سوى أن “تسيبوهم في حالهم”، فتطلقوا سراح من أسرتموه، وتكفوا عن ملاحقة من شارك في تلك المؤامرة، وتعتقوهم لوجه الله.
خمسة أعوام، أصبحت فيها الثورة “كُخَّة” وصار اللص –بحكم قضائي بات- الذي قامت ضده الثورة له الحق في ارتشاف القهوة داخل قفص الاتهام.
الوضع مرعب حقاً.
أن ينتحر ثلاثة مواطنين في ثلاثة أيامٍ متتالية تحت عجلات مترو الأنفاق بالقاهرة بؤسا ويأسا من الأوضاع، هذا أمر مُفزع.. أن تغرق البلاد في ظلم وفقر مدقع، وتحرم العباد من حقهم الأصيل في التأوه من أوجاعهم، بل وتلاحق من يقول (آه) وتسجنه، هذا أمر لن يؤدي إلا إلى كارثة مُحققة.
تهميش أغلب ثوار يناير، الباشوات والبكوات، المتعلمين، أبناء الطبقة المتوسطة، الذين عندما أرادوا أن يشوهونهم، ادعوا أنهم يتعاطون الكنتاكي، في الحقيقة لا يعني أي شيء.
يُحكى أن.. أيام المواجهات، كان هناك شاب بسيط يرتدي بذلة بالية، ارتدي “أحلى حاجة عنده” حتى يقابل ربنا بها إذا لقى حتفه في الميدان، في واقعة أُخرى.. أخبرتني صديقة أن أحد الباعة الجائلين دفعها بعيدا عن الضرب وقال لها قبل أن يتقدم للصفوف الأمامية “إنتي ماينفعش تموتي.. إنما أنا فيه مني كتير”.
الغلابة لا يمكن تهميشهم، وإذا قُتِل منهم واحد، يحل محله ألفٌ سوف يأتون بحقه، لن يبق أنين “مَلح الأرض” مكتوما لفترة طويلة. ولا يمكن أن يصبر أحد على الجوع، الذي تدعونا القيادة السياسية لتحمله.
إذا أردت أن تعرف عواقب الجوع، افتح كتب التاريخ وعُد لعهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، واقرأ عن “الشِّدة المُستَنصرية”، عندما أكل الناس القطط والكلاب وأكلوا الأموات، وطفقوا يأكلون الأحياء، وصنعوا الخطاطيف لاصطياد الناس من فوق الأسطح.. هذا حدث في مصر.
ربما نتعرف قريبا على شريحة من الشعب طال صمتها، إذا قلنا عنهم “كادحين”، فنحن ننعتهم بالغنى والترف، لن يطول صمتهم. سوف يقتلعون الأخضر واليابس.. لن يفرقوا بين مؤيد ومعارض للنظام، بل سوف يرون كُل من بات يوما في بيته شبعانا وهم جوعى جانٍ في حقهم.. وهي الحقيقة.
لن يحاكموا أحدا.. لن يهتفوا.. لن يعتصموا.. لن يطالبوا.. لن ينتظروا 18 يوما.. لن يتفاوضوا.
سوف يعصفون بكُل من ظلمهم، ولن ينظفوا الميادين وراءهم، بل سوف يأتون بالظلمة، ويخضعونهم، ويجعلونهم يلعقون الشوارع حتى تنظف تماماً.
حينها، سوف يترحم الجميع على ثورة يناير.. آه لو يعلمون كم كانت رومانسية!

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015

شخلل علشان تعيش

(1)
"قرار جمهوري يقضي بدفع 100 جنيه عن كل حالة زواج أو طلاق".
"المصري يقدر يعيش باتنين جنيه في اليوم ولا يفرق معاه". – المستشار أحمد الزند، وزير العدل المصري.
 (2)
رجلٌ مزواج ذو عينين زائغتين، كلما رأى واحدة من جنس الإناث، فغر فاهه وسال اللعاب من فمه، وجرى عليها ليطلب القُرب منها. طبعاً، فالسُنَّة تأمر بذلك "مثنى وثلاث ورباع.." وهو رجل إسلامي النزعة، يتقرب إلى الله بجلبابه ولحيته وسبحته وزيجته، لكن ما دون ذلك يصنفه تحت بند النوافل.
رغم أنه يختبئ في ذلك تحت مظلة الإسلام، إلى أن الجميع يمقتونه ويعرفون سِرَّه جيداً، فهو لا يدرك من القرآن إلا آيات النكاح فقط، كل من حوله يعلمون أنه يقوم بعمل تباديل وتوافيق لمن يتزوجهن كما "الشطرنج". يعني يتزوج أربعة، ثم تعجبه واحدة أخرى، فيرمي الطلاق على إحداهن ليضع بدلاً منها الأُخرى.. وهكذا.
بعد القرار الجمهوري، لم يعد أحد يمقته، بل أصبح الجميع يُقَدِّره، فهو يقوم بعمل وطني. أهو منه يطبق الشريعة ويحل مشكلة العنوسة ويحرك المياه الراكدة، ومنه يمد خزينة الدولة بمائة جنيه في كل زواج ومائة جنيه أخرى في كل طلاق، ما يعني أن "الراس" واقفة عليه بميتين جنيه.
الآن، هو مرشح على أحد قوائم حزب النور في مرحلة الانتخابات الثانية، ينتظر في الأيام المقبلة إما أن يتلقى نبأ نجاحه وأنه أصبح عضواً في البرلمان، أو أن يختصم الرئيس السيسي أمام الله.
(3)
حكى لي سائق البيجو أنه في يوم من أيام الانفلات الأمني السوداء، كان مسافراً على الطريق الصحراوي، أوقفه فجأة كمين من قطاعين الطرق، قال له قائدهم "شخلل عشان تعدي". فطلب السائق بكل شهامة من الرُّكاب أن "يشخلل" كل واحد فيهم بما فيه النصيب من مال عشان الليلة تعدي. فشخللوا جميعاً ومروا آمنين.
لم أكن أتصور أن "الشخللة" سوف تصير أسلوب حياة وإدارة عندنا في مصر، وأنها سوف تنتقل من قطاعين الطرق لحُكَّام البلاد. صحيح لم نعد نرى قطاعين الطرق–وياللعجب- ولم نعد في حاجة لأن نشخلل عشان نعدي، لكننا أصبحنا في حاجة لأن "نشخلل عشان نعيش".
(4)
كما تعلم –عزيزي القارئ- أن دخول "عش الزوجية" مش زي خروجه لدى الإخوة المسيحيين الأرثوذوكس، فالطلاق مُحَرَّم عندهم، وهذا الأمر أصبح يقف على الدولة بخسارة.
لا أعلم مدى صحة الأنباء التي تواردت عن تفاوض جهات سيادية مع البطريركية لـ"بحبحة الأمر شوية".. عشان تحيا مصر.
(5)
الحكاية هنا عن رجل وطني، وطني وطني يعني، هو يرى أن الوطنية تعني أن يسير عمياني وراء من في السلطة لأنهم أدرى منه بشئون البلاد والعباد. يعني يوم 11 فبراير صباحاً كان  في "مصطفى محمود" ليدافع عن بابا مبارك.. وكانت معه زوجته. أما في 11 فبراير مساءً كان في ميدان التحرير يحتفل بانتصار الثورة.. وكانت معه زوجته. عندما أمر هشام قنديل المصريين بأن يرتدوا الفالنات –أيوه فالنات- القطنية وأن يجلسوا في غرفة واحدة لحل أزمة الكهرباء، لم يكذب صاحبنا خبراً وكان يقضي يومه مع زوجته نصف عراة في غرفة واحدة تنفيذاً لكلام دولة رئيس الوزراء. في 30 يونيو كان في رابعة العدوية يدافع عن شرعية مرسي.. وكانت معه زوجته. في 3 يوليو كان عند الاتحادية يحتفل بزحلقة مرسي.. وكانت معه زوجته. التزم صمتاً مريباً في فترة تولي عدلي منصور الحكم وغلب عليه طابع الكسل وكان يقضي أغلب وقته نائماً. لكن عند تولي السيسي رئاسة الجمهورية شعر بأن شيئاً ما قد اكتمل في داخله، –وللأمانة- لم يفوِّت تفويضاً ولا مظاهرة مؤيدة للسيسي إلا وشارك فيها.. ومعه زوجته.
كانت المدام مطيعة جداً، لم تكن تعرف كلمة "لا"، إلى أن أخبرها زوجها الوطني بزيادة أنه سوف يسمع كلام وزير العدل وسيجري تعديلاً "بسيطاً" على مصروف البيت، ليصبح مصروف كل منهما 2 جنيه. نكشت زوجته المسكينة شعرها، ورفعت الشبشب، وَثَبَت وانطلقت تجري وراءه وهي تصرخ وتسبه بأفظع الشتائم، والرجل ينُط ويفُط كالكرة الجلد.
خُيِّر صاحبنا بين اختيارين لا ثالث لهما.. زوجته أو مصر. أيكمل مع زوجته غير المقدرة للظرف الاقتصادي الحرج الذي تمر به البلاد، أم يرمي عليها طلاق تلاتة ليتخلص منها ويثري خزينة الدولة بثلاثمائة جنيهاً "عشان طلاق تلاتة يعني".
هنا، فَضَّل مصر على تلك الولية المهبوشة في دماغها، ولكن لم يحل بينه وبين تنفيذ الطلاق في الحال إلا أن الثلاثمائة جنيهاً لم يكونوا جاهزين بعد. فقرر أن يدَّخر مائة بالمائة من مصروفه اليومي "2 جنيه" لتنفيذ ذلك الأمر في أسرع وقت. فظل 150 يوماً لا يصرف مليماً أحمراً، لم يأكل، لم يشرب، لم يتحرك من مكانه، عاش على "البناء الضوئي".. إلى أن كَوَّن المبلغ المطلوب..
ثم رمى عليها يمين طلاق ثلاثة وهو على أحد أسِرَّة العناية المركزة.
(6)
طَب اللي هايطَلَّق مراته يدفع 100 جنيه.. اللي عايز يطَلَّق الحكومة يدفع كام ؟

الخميس، 8 أكتوبر 2015

سُكَّر

منذ عام، أي في السادس من أكتوبر، اكتشفت أني مصاب بمرض السُكَّر. 
بين السادس والسادس من أكتوبر، أشعر بأن ثمة أشياء قد تغيرت، حتى نظرتي للحياة.. تغيرت.
عام أصبحت فيه أقابل الإبر –حقنة الإنسولين- بشكل دوري كل يوم "أربعة مرات". كان الأمر في بادئه له رهبة ولكنها سرعان ما تلاشت، فقد تعودت عليها كما يتعود الإنسان -ذلك الحيوان المُتَكَيِّف- على أي شيء، مهما كانت عدم معقوليته وفظاعته، فقد تعودنا على (الموت) وقبلنا فكرة أن ندفن أُناساً كانوا بجانبنا منذ وقت قصير، ثم نكمل حياتنا، وعندما يسألنا أطفالنا الذين لم تلطخهم الحياة بقسوتها بَعد، نقول لهم "فلان عند ربنا فوق".
عرفت الإبر الـ4 مل والـ5 مل والـ6 مل، عرفتهم جيداً وعرفوني هم أيضاً. ولأني رضخت للمرض -غير مُتفضلاً بل حامداً ربي وشاكراً فضله- نادراً ما أصبحت تؤلمني الشكة كما آلمتني في المرة الأولى، أصبح الأمر بسيطاً.. سهلاً.. سلساً.. حتى أحد أنواع الإنسولين الذي كانت توجعني عندما أضخها، اكتشفت أني عندما أضخها ببطء لا أشعر بألمها وحرقتها، فأصبح الأمر لطيفاً.
عرفت الحقن بأنواعها، نوفو ميكس.. نوفو رابيد.. لانتوس.
قابلت الكثير من أدوية السكر أيضاً.. ديامايكرون.. أونجلايزا.. جلوكوفاج ، وعدت لمضادات الاكتئاب. سئمت نسياني للفيتامينات التي تقيني من آثار عقاقير السكر الجانبية، ولم أعتد العجوة، ولا ملعقة العسل التي تنقذ حياتي في منتصف الليل في شقة مصر الجديدة.
عرفت رعشة ودوخة السكر المنخفض، وإحساسي بالجوع الرهيب الذي قد يدفعني لأكل الثلاجة كلها غير مكترث بعدم تجانس ما آكله. عرفت الدوار وعدم التركيز اللذان يصيباني عندما يعلو مستوى السكر في الدم عن 300. عرفت أعراض كليهما وأصبحت قادراً على التمييز.
عرفت أن الدم يكون ثقيلاً –حرفياً- عندما يعلو السكر، بينما يكون خفيفاً سائلاً بشكل زائد عندما ينخفض مستواه، فأصبحت قادراً على معرفة مستوى السكر تقريباً قبل جهاز القياس نفسه، وفي كل مرة ينتصر تخميني أفرح فرحة الأطفال.
شعرت بحنان صديقي عندما غلبني التعب أثناء لعبنا البلاي ستيشن وجرى لشراء "حاجة مسكرة" من الخارج لي.
لمست حب أهلي في كل نظرة هلع.
أصبحت صحتي قضية رأي عام، أغلب من حولي على دراية بتفاصيلها، وصار ذلك يريحني تارة ويؤلمني تارتين. أزعجتني نظرات الشفقة لكن أسعدتني نظرات الـ"طبطبة"، آلمني التقليل من ما حل بي لكن زادني ثباتاً كل صوت مقدر لما لحق بي ويدعوني للصبر والجلد والقوة.
أحببت النسكافيه بلا ولا ملعقة سكر مقتدياً في ذلك بوالدي، تقبلت القهوة السادة على مضض وعشقت اللي ع الريحة والمظبوطة بجد "اللي مابتعملهاش غير أمي"، وأصبح الشاي يكفيني فيه ملعقة سكر واحدة. ولم أتخلص من حبي للآيس كريم بل ازددت عشقاً له.
كثيراً ما أشعر بالله. نعم، أنا أشعر بالله. وأوقن بأنه قد منحني بأن منعني. وأشعر بأنه قد وهبني بأن أصابني وجعلني متميزاً عن أغلب الناس. 
الله أصبح يثق بي أكثر من ذي قبل، إلى درجة أنه جعلني أقوم بوظيفة "البنكرياس" بنفسي بالرغم من أنه يعمل أوتوماتيكياً عند الناس.
أصبت بالسكر، وأصبحت سلامتي وحياتي مرهونين بشكة إبر الإنسولين بشكل دوري.
أي أن "الألم"، هو دوائي، وهو ما يجعل حياتي تستمر.

الاثنين، 5 يناير 2015

ماذا لو خسف الله بنا الأرض؟


أكاد أن أجزم أن أغرب لحظات حياتي على الإطلاق هي عندما أفيق من نومي في الصباح، فبعيداًَ عن حالة الألزهايمر المؤقتة –وإن طالَت- التي تصيبني، كثيراً ما أتخيل أُناساً ماتوا وشبعوا موتاً يوقظونني من نومي، فمَن أيقظني بالأمس مثلاً كان المغني الأمريكي "لويس أرمسترونج" –الله يرحمه- وهو ممسك بآلة الساكسفون خاصته.
والأمر لا يتوقف عند هذا الحد فحَسب، أحياناً تخطر على بالي بعض الأفكار الطائشة المتهورة، فأنا أتذكر حينما كنت مُصِرَّاً على أن أربط بشكير الحمَّام الأحمر على رقبتي وأخرج للبالكونة كَي أطير مثل "سوبر مان"، كذلك لا يمكنني أن أنسى أفكاراً مجنونة أُخرى كالسابقة أتتني، منها مثلاً: أن أُشاهد حلقة كاملة للإعلامي وائل الإبراشي.. أو خطاباً للسيد الرئيس.
واليوم، عَنَّ بفكري سؤال في الصباح "ماذا لو انشقت الأرض وابتلعت إحدى الدول، ولتَكُن البرازيل؟"، وكانت إجابتي سريعة جداً، سوف نفقد أعظم مهارات كُرة القدم، كما سوف نفتقد أفضل بُن وكاكاو في العالَم، وكما نعلم أن الحياة لن تستوي من دونهما. أما إذا حدث الأمر ذاته لهولندا مثلاً، فسوف نفتقد بالطبع زهرة التيوليب التي تُعتَبَر هولندا المُنتج الرئيسي لها "تنتج حوالي 3 مليون  سنوياً أغلبها للتصدير".
لو حصل الأمر لروسيا بقى، فبعيداً عن فقداننا لبناتها اللواتي يحتكرن جزءً معتبراً من مخزون الجمال في العالم، سوف نفتقد بالطبع فنون الباليه وفرقة "البولشوي".
أما عن إثيوبيا التي تقع في أراضيها منابع نهر النيل وتعاملها حكوماتنا منذ عشرات السنين معاملة فَوقية تُشبه تماماً معاملة "مرات الأب"، فإن العالَم سوف يفقد أفضل عَدَّائين فيه –كذلك الحال بالنسبة لكينيا-، كما سوف نخسر دولة (أطلقت) قمراً صناعياً للفضاء العام الماضي بغرض البحث العلمي، في حين أن أقصى أمل وحلم لدينا الآن أن (تطلق) السُلطة سراح سُجناء الرأي !
طَيَّب..
واجب عليَّ كمصري أن أسأل.. ماذا لو "انشقت الأرض وبلعتنا" ؟ تُرى، هل سوف يفتقد العالم شيئاً ؟ بعيداً عن وارداتنا التي تُعَد "أكثر من الهَم ع القلب" التي سوف ترجع لبلادها، وبعيداً عن أن ثمة أموال سوف ترجع إلى أصحابها مرة أُخرى "المعونات"، كما ستعود معها أسلحة جيشنا، المشكور والله على أنه يسخر جهوده في بناء الطُرق والكباري.. في نفس الوقت الذي نستورد فيه أسلحتنا من صُنَّاع يمولوننا ويمولون الخصم بالذخيرة في آن واحد !
إذا اختفينا من هذا العالم، هل سوف يفقد الكون شيئاً سوى ذلك العدد الذي سوف يُخصم من التعداد العالمي للسكان ؟؟ والله أعلم كم واحد من هذا العدد كان مُقدر له أن يكون له شأن إذا وجد من يرعاه في بلده. فالعلماء المصريين الذين نفتخر بهم جميعاً، مثل الدكتور عصام حجي، لفظته بلاده وخَوَّنته واتهمته بالعمالة والجهل حين سعى لنهضتها، وكان "الخارج" قد فتح له ذراعيه كي يتبنى علمه وموهبته، أما لو كان هذا العالِم بقى في بلاده، الله أعلم إن كان حينها سوف يجد تعييناً في الحكومة أم لا، وإذا حصل على تعيين باعتباره "مستر عصام - مُدرس العلوم" فبالطبع لن يكون مؤهلاً حينها وسيكون معدوم الكفاءة والخبرة لأنه لم يحصل على تعليم محترم حاله حال باقي المُدرسين، وبالتالي سوف تكون النتيجة الطبيعية أن يصنع تجربة فاشلة للأولاد تنفجر في وجهه ووجوههم أيضاً، فيجري التلاميذ ويهتف أحدهم له: الله عليك يا أُستاذ.
من المؤكد أن الجميع يلاحظ وصلات "الردح" القائمة باستمرار بين الخصوم السياسيين في بلادنا المحروسة كما تشارك فيها السُلطة أيضاً، والتي ينعت فيها كُل واحد الآخر بأنه صاحب أجندة أجنبية وتابع للخارج..
في نفس الوقت الذي وصلت العولمة إلى ذروتها –تقريباً- وتتحدث الدنيا كُلها على أن العالم أصبح "أوضتين وصالة، ولا شك أننا نقبع في الحمام طبعاً"، يدور هذا كُله عندنا، ويعتقد الناس أن "الخواجة" -الذي نعيش على فُتات سيادته الذي يرميه لنا- أصم ولا يقرأ ولا يكتب ولا يرى -ومابيعملش بي بي لوحده كمان-، ولا يلحظ الفارق الرهيب بين الخطاب في الداخل الذي يصوِّره على أنه شيطان أَشِر يُكرِّس كُل وقته لإسقاط هذا البلد بالذات لتنفير الناس من كُل ساخط على السُلطة بتصوير أنه تابع للأجانب، وبين الخطاب في الخارج -معه- المفعم بالحب والمودة "إديني معونة وأباتشي ربنا يكفيك شر المرض ويوقفلك ولاد الحلال".
الحقيقة إن هذا الشيطان -الخواجة- لا يحتاج أن يُكرس وقته كله لمحاربة دولة تابعة له –فعلياً- دون أن يطلب منها ذلك، دولة تحارب إخوانها الفلسطينيين وتفرض عليهم حصاراً تماماً كالذي يفرضه عليهم الصهاينة، وتزرع كراهية إخواننا في نفوس شعبها  حتى صارت كلمة "فلسطين" سُبَّة في بلادنا. –وياللعار-.
إن الخواجة لا يحتاج لأن يحارب دولة تعتقد أن أطفالها هم أذكى أطفال العالم، كأن كُل أطفال العالم قد خُلِقوا من طين وأطفالنا مخلوقون من (مارون جلاسيه)، وإذا سلمنا بأن النظرية صحيحة، فإن هذا يعيبنا ولا يُحسن إلينا، لأننا إذا شاهدنا المُنتج النهائي من أذكى أطفال الكوكب المتمثل في "الرجال الكبار"، سوف نتأكد أن ثمة انتهاك بشع قد حدث لعقولهم في مراحل نموهم نتج عنه هذه التشوهات. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إن الخواجة لا يحتاج أن يحارب دولة تؤمن بأنها "أُم الدنيا" بعدما أصبحت دولة نامية من دول العالم التالت "أو الثالث عشر"، في مشهد مشابه جداً بالثّمِل الذي يردد "أنا جدع.. أنا جدع" وينتهي المشهد بأن يشبعه أحد الحاضرين ضرباً "لغاية أمَّا يقول يا كِفى".
دولة تنعت سُلطتها خصومها بالعمالة للخارج، في نفس الأيام التي يُثبت فيها تقرير مجلس الشيوخ الأمريكي أن نفس البلد ونفس السُلطة –وإن اختلف توزيع المراكز والأدوار- كانت تتعاون مع المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) في تعذيب معتقليها على أراضيها "الأراضي المصرية".
إن "الخواجة" لا يحتاج أن يشغل وقته بأن يُفكر –أصلاً- في دولة لا تنتج غذاءها ولا سلاحها، بل تستوردهما وتطلبهما منه. دولة تقتل أبناءها يومياً في الشوارع بدم بارد، ومن لم تصبه رصاصة البندقية.. يُلقى في السجن، ومن يفلت من الزنزانة.. يُقتل معنوياً –وهذا أضعف الإيمان-، ويكون هذا أكثرهم حظاً.
هُنا، يُلح عليَّ سؤال، هل يحتاج "الخواجة" شيئاً بعد ذلك كله كي يُحكِم السيطرة سوى ما يُرسله لنا دورياً من شُحنات رصاص حَي وغاز مُسيل للدموع ؟؟
---
فَكَّرت كثيراً فيما سوف تفتقده الإنسانية إذا خسف الله بنا الأرض، فلم أرَ أمام عينيَّ سوى "أُم أميرة" التي تخرج كُل يوم إلى شوارع "وسط البلد" قبل أن تخرج لنا الشمس من مخبأها، وتقف تلك السيدة بطولها على عربتها التي تجلب لها الرزق من خلال قَلي البطاطس عليها وبيعها، حتى توفر لابنتها مريضة القلب ثمن العلاج، وتوفر ما يسترهما أيضاً، إلى أن ماتت "أميرة" لتلحق بأبيها المُقعد.. ولازالت أُمها تعمل بحثاً عن الستر.
أملي كبير في أن تشفع لنا "أُم أميرة" المهدور حقها عند المولى حتى لا يخسف بنا الأرض التي تقف –هي- عليها، أمَّا في حال إذا كان هلاكنا أمراً لا مَفَر منه.. أدعو الله ألا يخسف الأرض بالأمتار التي تقف عليها "كُل أُم أميرة" على أقل تقدير.
"سألت الشيخ عبد ربه: كيف تنتهي المِحنة التي نعانيها؟
فأجاب: إن خرجنا سالمين فهي الرحمة، وإن خرجنا هالكين فهو العدل". نجيب محفوظ – من: أصداء السيرة الذاتية.

                                            
علي هشام

الأحد، 16 نوفمبر 2014

مصر الصُغرى.. من وَحي مباراة مصر والسنغال

يطلق الجغرافيون على "منخفض الفيوم" اسم (مصر الصُغرى) حيث تتلخص في هذا المنخفض كُل خصائص الدولة الطبيعية، والحقيقة إن هذه الظاهرة اللطيفة لا تُلاحَظ فقط في طبوغرافية مصر، بل إنك تجد في كُل مكان في هذا البلد نموذجاً مُصغراً من خصائصه وخصائص سكانه أيضاً، يعني أضمن لك أنك إن دققت التركيز والمُلاحظة في حياتك اليومية سوف تتكعبل في "مصر الصغرى" عدة مرات.
بشكل أبسط، مصر حالها تماماً هو حال صندوق الهدايا -الأحمر أبو فيونكة- الذي يظهر في الأفلام، وسرعان ما يفتحه البطل يجده يحوي صندوقاً أصغر منه يماثله بالضبط في الشكل، ويظل على هذا الوضع البائس يَفُك في الفيونكات ويفتح في الصناديق إلى أن يجد صندوقاً صغيراً جداً، يفتحه.. فيجد بوكساً طائراً يلكمه في وجهه مُعلناً عن مقلب سخيف.
ولكن كي أكون دقيقاً.. يجب ألا أنسى أن أذكر لك أن الصندوق الكبير –الأولاني، أبو فيونكة- يقبع داخل قفص حديدي تحوطه القضبان من كُل جانب.
دعني أضرب لك مثالاً آخر على "مصر الصغرى"، ارجع بذاكرتك إلى أيام المدرسة، هل تتذكر زميلك الذي ترشح في انتخابات ريادة الفصل مع إنه يعلم أنكم اتفقتم على فائز غيره منذ البداية ؟ ها هو قد كبر وصار مُرشحاً في الانتخابات الرئاسية المحسومة مقدماً.
طَيَّب، هل تتذكر زميلك الذي فاز بمنصب الرائد ولم يَكُن له تلاتين لازمة طوال العام الدراسي ؟ أمد الله في عُمره، صار أكثر نضجاً الآن وتولى رئاسة البلاد في فترة انتقالية وأنهى مهمته بسلام وها هو الآن يستلقي على كنبة الليفينج روم بابتسامته البشوشة يستمتع بأكل الفشار والفُرجة على قناة فتافيت في مُنتهى السلام والوئام.
هل تتذكر زميلك "عبد الفتاح" الذي كان يصفف شعره على جنب وكان بيقضيها تسبيل لبنات المدرسة كلهم ؟ بيسلم عليك.
طيب، هل تتذكر زميلك الذي كان يأمره المدرس بأن يقف مُراقباً عليكم في غيابه ويُدَوِّن اسم من ينبس بحرف على السبورة، رغم وجود رائد للفصل؟ ها هو قد صار الآن "أمنجياً" قد الدنيا. وهكذا.. قِس على ذلك الكثير بقى.
وبما إن الواحد مراراته لم تتعافى من هزيمة منتخبنا الوطني لكرة القدم أمام السنغال وفقدان آخر فرصة تأهل لكأس الأمم الأفريقية، لا يصح أن أتحدث عن "مصر الصغرى" من دون أن أذكر المعلق الرياضي "حاتم بطيشة"، الذي شاهدت المباراة بتعليقه..
قبل أي شيء لا يفوتني أن أخبركم بتقديري للكابتن حاتم وتصنيفي له كواحد من أفضل المُعلقين المصريين، والحقيقة حتى أنني أتمنى أن أتشرف بمقابلته في يوم كي ألتقط لنفسي صورة معه ويوقع لي في الأوتوجراف الخاص بي كواحد من معجبيه.
كان الكابتن حاتم بطيشة خير مثال على "طريقة إدارة الأزمات" في مصر، دعني أقول (أزمة) لإن المثال المصغر ما هو إلا ماتش كورة، لكن –إن جيت للحق- الأزمات في مصر لم تعد أزمات بالمعنى الحرفي، فنحن انتقلنا من مستوى "الأزمات" إلى مستوى أرقى، وهو "الكوارث"، وسرعان ما صارت كوارثنا "فواجعاً"، واعتدنا عليها كما نعتاد على كُل شيء في حياتنا البائسة. –رحمة الله على أبنائنا الطُلاب شُهداء حادثة أوتوبيس البحيرة-.
نرجع لمرجوعنا.. سوف أُفَنِّد لكم في عدة نقاط العلاقة التي تربط ما قاله الكابتن حاتم وما تقوم به السُلطة في إدارة الأزمات بحكمتها الواسعة:
-          المرحلة الأولى.. أسياد العالم:
بدأت المباراة، فاستعان المعلق بالله وانطلق يؤهب اللاعبين ويذكرهم بأن الوضع حرج "يللا يا رجالة، يللا يا أبطال"، مع إن الرجالة مش سامعينه أصلاً لإنهم في الملعب – الأمر الذي يقوم به كل المعلقين ويستحق مُراجعة أداءهم وتذكيرهم بتعريف المهنة أصلاً (Job Description)-. ثم راح يُذَكِّر المُشاهدين بأننا أسياد أفريقيا ووحوش البطولة، وهو موضوع يستحق التأمُّل فعلاً، لأن –بعد تلك الهزيمة- سوف تُعقَد ثالث دورة إفريقية على التوالي بدون المُنتخب المصري بعد أن خرج "وحوش البطولة" من التصفيات المؤهلة إليها بالسلامة.
وهنا ذكرني بالسادة المسئولين الذين يصدعون رؤوسنا ليل نهار بأسطورة "حضارة السبعتلاف سنة" باعتبارها بمثابة "كسر عين" للمنتقدين، على أساس طبعاً أن الفراعنة كانوا أجدادهم –هُما بس-، وأن المسئول منهم لا يصح تعيينه في منصبه إلا إذا قدم وثيقة تفيد بأنه من نسل الإله رع.
يعني أجدادنا ماتوا وشبعوا موت وتحولوا إلى بترول واصطف عشرات المواطنين في طوابير طويلة عريضة أمام بنزينة (الوطنية طبعاً) كي يستعملوا ذلك البنزين، وبعد أن وصلوا للبنزينة –يا فرج الله- واستعملوه بالفعل وصار البنزين عادماً.. إيه بقى ؟ إيه ؟
-          المرحلة الثانية.. ارجع لأصلك:
اهتزت شباك –وحوش أفريقيا- بالهدف الأول وأُصيب حارس المرمى وخرج في تبديل اضطراري، وهُنا نلاحظ صدمة المُعلق الذي لم يتوقع إطلاقاً الهدف بعد أن نفخ ريشه تماماً وانتفخ ونفخنا معه، تماماً كوزير الداخلية الذي أكد في كلمته في احتفالية انتهاء تدريب أحد الدفعات الجديدة في كُلية الشرطة على أن السجون مؤمنة بالأسلحة الثقيلة وأن الشُرطة تؤدي واجبها على أكمل وجه، ثم صَرَّح "اللي عايز يجرب.. ييجي". –ياريتهم ما سمعوا كلامه. رحم الله جنودنا الغلابة-.
ولعلك تلاحظ الاختلاف الجسيم في لغة الخطاب حين صَرَّح سيادته لجريدة الوطن في مايو 2014: يحز في نفسيتي أننا لا نتلقى التقدير المناسب لحجم التضحيات التي تقوم بها الشرطة.
المهم، راح المعلق يدعو الله أن يسترها ويصبر المشاهدين مُذكراً إياهم بأن "المباراة لسه طويلة"، ويثبت اللاعبين مُذكرهم بأنهم قدها وقدود وأن الحرب ما هي إلا حرب نفسية، ولا يفوتنك –عزيزي القارئ- أن تلحظ انحطاط الآمال الشديد الذي هاجم المعلق، حين تمنى الكابتن حاتم بأن نحرز ولو هدف في الشوط الأول ونخرج منه متعادلين وفي الشوط الثاني ربنا يسهلها، وانتهى به الأمر في الشوط الثاني يقول: "نفسنا حتى في ضربة ركنية".
ثم طفق يُحَمِّس اللاعبين "اضغطوا يا رجالة.. يمكن نجيب جون في الزحمة"، وهو ما يعبر عن الأمل في انتصار بالصدفة، وأعتقد أن حُكاماً كثيرين لا يملكون في جعبتهم إلا ذلك النوع من الآمال.
-          المرحلة الثالثة.. المؤامرة الكونية، وإخلاء المسئولين من مسئوليته:
عندما التفتت الكاميرا إلى شوقي غريب –المدير الفني- الذي كان يشخط في اللاعبين وكان وجهه محمراً جداً من فرط الحماس، دعا المعلق بالثبات للجهاز الفني والجميع "كان الله في العون" مُفصحاً عن إشفاقه الشديد، مُذكراً إياي بهؤلاء الذين يعتقدون أن العلاقة بين فشل المسئولين وتعَلُّقنا بهم علاقة طردية، يعني كُلما فشل سيادته في تأميننا.. كلما ازداد تعلقنا به وعشقنا له وذُبنا في دباديبه أكثر وأكثر.
المهم، عندما خرجت الجماهير الحاضرة في الاستاد عن شعورها وهتفت "رَوَّح يا شوقي"، قال المعلق في البداية: أن الجهاز الفني مستمر رسمياً حتى 2018 –قدر ومكتوب علينا تقريباً- ثم دعا الناس لكي تهدأ وتفكر في حيثيات الوضع وذكرهم بأن الظروف معقدة، وأن مجموعتنا في التصفيات مجموعة صعبة وكلها فرق ثقيلة، وهي بحق: مجموعة الموت. ثم عاد ليذكرنا بأننا أسياد القارة، رغم أنف تلك المؤامرة الكونية.
وعلى طريقة طلعت زكريا في فيلم "غبي منه فيه" حين قال: (ثم إن أنا أصلاً مابحبش الكُشري يا سلطان)، ضرب المعلق ضربته الأخيرة التي حاول أن يقنعنا من خلالها بأن عدم التأهل للبطولة "خير وبركة" لأن ظروفنا سيئة، ومايصحش نروح البطولة ونِتْهَزَّأ برضه.
-          المرحلة الرابعة والأخيرة.. التكشيم أو كان على عيني يا لمبي:
انتهى دور المعلق الرياضي بعد أن أقنع الجماهير بأننا أسياد أفريقيا، ثم يتجلى لنا الآن دور إدارة المنتخب، فينقسم الإداريون إلى قسمين: واحد يرأسه "شوقي غريب - المدير الفني" الذي صرح بعد المباراة بوجه متجهم بأن المباراة كانت "مباراة طيبة"، وأن المنتخب قد أدى مباراة من أفضل مبارياته. ليذكرنا بهؤلاء الذين لا يَكِلُّون ولا يَمِلُّون ليل نهار من ترديد أننا في أزهى عصور الحُرية على شاشات التليفيزيون. "وهاتقتنع يعني هاتقتنع.. هاتتباس يعني هاتتباس".
والقسم الثاني يقوده العميد "أحمد حسن" الذي صَرَّح للأهرام بأنه "ماعندهوش حاجة يقولها" في مشهد مشابه جداً بمشهد عبلة كامل عندما قالت لـ اللمبي عندما كان يريد منها سُلفة وهي تفتعل البكاء والنحيب: "كان على عيني.. هو اللي عند الحكومة بيرجع يا لمبي؟".
ولا أدري، لماذا تذكرت الآن بعض السادة المسئولين الذين لا يواجهون الأزمات بأنفسهم، بل يواجهونها بالتَهَرُّب منها، كأن يلقوا اللوم على "المجني عليهم" لأسباب خزعبلية مثلاً..
وسمعني سلام: أنا مش مش عايز.. أنا مش قادر أديك.

علي هشام

الثلاثاء، 8 يوليو 2014

زحمة يا سجن زحمة

في فبراير/ شباط الماضي قام اللواء أبو بكر عبد الكريم، مساعد وزير الداخلية لقطاع حقوق الإنسان، بمداخلة هاتفية مع برنامج "مانشيت"، عرض من خلالها المُذيع "جابر القرموطي" عليه ملف التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان في السجون المصرية وأقسام الشُرطة، وقرأ على مسامع سيادته جزءً من مقال خالد السَيِّد –المُفرَج عنه- الذي يحمل عنوان "هذا ما حدث معي" المنشور في نفس الشهر ويحكي فيه عن شهادته الشخصية وما شاهده وتعرض له من انتهاكات في غضون فترة احتجازه. وطبعاً كان رد سيادته –كأي مسئول في مصر- إن مكاتب حقوق الإنسان بوزارة الداخلية مفتوحة على مصراعيها لكافة المواطنين لتقديم الشكاوى وأنه ربما يكون قد حدث تجاوزاً أو سوء معاملة مع الأخ خالد لكن وبكل تأكيد لم يكن بهذه الصورة لأن السجون لم يكن فيها ما حكاه في الخمسينيات والستينات حتى –على أساس إننا دلوقتي أحسن حالاً يعني-. وقبل ذلك كله أكد سيادة اللواء أن المساجين في مصر يتمتعون بمعاملة إنسانية فائقة ورعاية تأهيلية وصحية واجتماعية وترفيهية، وأضاف سيادته أن ثمة (كافيتيريات) تم انشاؤها داخل السجون كي يأكل منها المسجون في حال إذا لم يكن على مزاجه أكل السجن.

على صعيد آخر، أو على نفس الصعيد –لا أدري-، أدلى مصدر أمني لجريدة الوطن بتصريح لها في أواخر الشهر الماضي يونيو/ حزيران يقول فيه أن سبب ارتفاع معدلات الوفيات في الأقسام هو الازدحام وسوء التهوية، ونفى المصدر حدوث أية انتهاكات أو تعذيب للمتهمين داخل أقسام الشُرطة لا سمح الله، ولم يتبع ذلك التصريح المجهول المصدر أي اثبات أو نفي أو تعليق من قبل وزارة الداخلية.


طَيِّب.. يا أيها المصدر الأمني المجهول الذي ينفي حدوث انتهاكات داخل الأقسام بعد أن أقر بوفاة العديد من السجناء بسبب الازدحام وسوء التهوية، اسمح لي أن اسأل، أولاً إن لم يكن في ما ذكرته انتهاكاً واضحاً صارخاً لحقوق الإنسان، فأي اتنهاكات تلك التي تنفي حدوثها ؟ أهناك نتائج لانتهاك الآدمية أكثر جسامة من لقاء وجه رب كريم ؟ ثانياً وبافتراض أن أقسامنا خالية من حفلات التعذيب والضرب وإن المُشكلة كلها في الزحمة وسوء التهوية، مَن المسئول ؟ أليست وزارة الداخلية ؟ أم أن تلك المُشكلة حلها عند فروع كُشري التحرير مثلاً ؟


في مطلع الشهر الجاري "يوليو/ تموز 2014" أطلقت منظمة العفو الدولية تقريراً يُفيد بأن هناك تراجعاً كارثياً لحقوق الإنسان في مصر معتمدة في ذلك على التقديرات الرسمية التي نشرتها "وكالة أسوشييتد بريس" في مارس/ آذار التي تُفيد بأن المعتقلين في مصر أكثر من 16.000 معتقلاً، وهو رقم ضئيل نسبة إلى تقدير "ويكي ثورة" – مبادرة يقوم عليها المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية- الذي يفيد بأنه تم اعتقال 40.000 شخصاً  ما بين يوليو/ تموز 2013 ومنتصف مايو/ أيار 2014 بينما توفي ما لا يقل عن 80 شخصاً في الحجز على مدار السنة الماضية.

وتعليقاً على تلك التقارير قال مساعد وزير الداخلية لحقوق الإنسان –نفسه- في مداخلة مع برنامج "مانشيت" أنها لها أغراض أُخرى وإن تقرير منظمة العفو الدولية مليء بالمغالطات والمُبالغات، ونفى سيادته أن يكون لدينا 16.000 معتقلاً، بل ونفى أن يكون لدينا مُعتقلين من الأساس.

وفي حين نخوض نحن هنا في هذا الكم من اللغط منذ عشرات السنين، كان معدل الجريمة في "السويد" قد تراجع بشكل ملحوظ مما دفع الدولة لإغلاق أربعة سجون بالضبة والمُفتاح. كما قامت "هولندا" بتحويل أحد سجونها إلى فندق 5 نجوم. (يا كافيتيريات سجونك يا مصر.)
---
غضب "سيد كورن فليكس"  حين أخبرته بموضوع مقالي، وكان أكثر ما يغضبه هو تعدد مصادري في المقال دون الرجوع له "كمصدر له خبرة وتجربة لا يستهان بها في هذا الشأن"، فأخبرته بأنني -وحياة الشاي والبقسماط اللي بيننا- مانسيته وإني ماعرفش إن له خبرة في الموضوع ده. هدأ سَيِّد واقتنع وأحضر لنا طبقين كورن فليكس حتى يحلو الكلام ويروي لي قصته.

لم يحكِ لي موضوع احتجازه من قبل، حيث أنه تار قديم بينه وبين عم أحمد "أُسطى ورشة النجارة" الذي رآه سيد ذات يوم يضرب أحد صبيانه بشراسة ففار الدم في عروق "كورن فليكس" وجَرَّد المعلم صاحب الهيبة والشنبات الفخيمة من بنطاله في قلب الشارع ورَوَّحه بيته ملط، فاستحلف من يومها لـ"سّيِّد" وتسبب في إيداعه السجن بمساعدة أخيه أمين الشرطة، مُتهماً إياه بعقد صفقة غير شرعية مع موزع التموين في المنطقة جعلته يحصل على شاي وسكر التموين لقهوته، كما اتهمه بأنه يغش زبائنه في القهوة ويضع لهم "نشارة خشب" بدلاً من تفل الشاي، ولم يكُن سَيِّد يعلم حينها أن هناك تهمة في القانون للـ"نتانة والاستخسار" مع العلم بأن كُل ذلك محض تلفيق. هكذا.. دخل كورن فليكس الحجز لأول مرة في حياته.

كانت الزنزانة مُزدحمة أكثر من شقتهم يوم طهور أخاه الصغير وضيقة، وكان للزنزانة كبير يُسَيِّر أمورها وله كلمة نافذة على الجميع، واستنبط "كورن فليكس" أن كبير الزنزانة يُعَيَّن بالأقدمية المُطلقة، مما جعله يتفاءل بالمستقبل الرحب الذي ينتظره ويقتنع بأن الدنيا –أخيراً- بدأت تضحك له حيث قرر أنه سيحاول البقاء في هذا المكان إلى أن ينصفه ذلك السلم الوظيفي الفاخر ويصير كبيراً للزنزانة مثل هذا المعلم صاحب الهيبة الذي تنبعث منه رائحة ملوخية، ولم يكف عن التجشؤ منذ صباحية ربنا ولا التلطيش في خلق الله.
كان المعلم كبير الزنزانة يدير المكان من منطلق طبقي بحت نظراً لكثرة أعداد المحتجزين، لم يكن يوزع أماكن النوم بالعدل والتساوي "عشان مش معقولة يتساوى رجل الأعمال والدكتور مع بتاع المظاهرات لا مؤاخذة – على حد قول المعلم"، فكان من يدفع أكثر يحصل على عدد بلاطات أكثر لينام عليها أو يرتع فوقها كيفما يشاء. والعُملة الرسمية في السجن هي السجائر، ولسوء حَظ سَيِّد أنه لم يكن معه حينها سوى ثلاثة سجائر كليوبارترا فَرط، ما جعله ينام نصف الليل على سيفه والنصف الآخر واقفاً كالألف على بلاطة واحدة رافعاً يديه الاثنتين إلى أعلى.
---
يبدو أن الحديث قد ألهانا عن أن ننتبه لأننا نأكل في نهار رمضان، فانطلقت أنا و"كورن فليكس" نبصق في جميع الاتجاهات مُحاولين طرد ما في أفواهنا..
وغَرَّقنا المنطقة تفافة.
علي هشام


المصادر: 

الأربعاء، 28 مايو 2014

عزيزي المواطن.. HAPPY NEW YEAR

ينحني محمد هنيدي –المذيع بإحدى القنوات الإخبارية كما ورد في الفيلم- على ذلك المواطن الأشعث الجالس على قهوة بلدي في منطقة شعبية يبدو عليها التواضع الشديد، قائلاً في بهجة مصطنعة: "ومعانا أحد المواطنين السهرانين وبنقول له كُل سنة وحضرتك طيب.. هابي نيو يير.. ممكن حضرتك تقول لنا راس السنة بتمثل لك إيه؟"
يرمقه المواطن الأغبر المنكوش باحتقار، ويهُب فيه: "انت عبيط يلاه ؟ راس السنة إيه وزفت إيه، انتم مش دريانين بالناس ؟"
الحقيقة إن هذا المشهد لم يفارقني طيلة الفترة الماضية، خصوصاً عندما كان يسأل أحد المذيعين مواطناً "ماذا تطلب من رئيس مصر القادم؟". أولاً: كلاهما –غالباً- يعلم إن الانتخابات المزعومة ليست انتخابات بحق، ولكنها مراسم تنصيب "على واحدة ونُص" للمارشال. يعني لا داعي لأن نبهم الأمور ونُطلق عليه "رئيس مصر القادم"، فيكون السؤال هكذا: "ماذا تطلب من السيسي بعد أن تصير الجمهورية رسمياً في جعبته؟".
ثانياً: ماذا يتوقع السائل من المواطن في إجابته ؟ هل ينتظر منه مثلاً أن يخبره بأنه يريد  من الرئيس "واحد شاورمة من غير طحينة لو سمح" ؟ بالطبع إن ذلك المواطن –حاله حال أي مواطن سوي- يطمح في أن يرتقي حال البلد وأن نقضي على البطالة وأن يحصل هو على رغيف عيش "خالي من المسامير" بسهولة ويُسر دون أن تُرشَق في جانبه مدية. يريد أن يحصل على قوت يومه بسهولة. يحلم بأن يعيش بكرامة دون أن يكون لواحد من أجهزة الأمن الحق في أن ينهال بكَفِّه على قفاه. يحلم بأن يعيش آمناً.
وهل سوف يتحقق الأمن يا ترى ؟
إذا أراد الرئيس أن يلتف حوله الشعب فعليه بحل من اثنين، أو كليهما.. إما أن يوفر للناس لُقمة عيشهم، أو أن يضع مشروعاً وطنياً ما في الأُفق –حتى ولو كان وهمياً- كي يلتف الناس حوله متغاضين حتى عن لقمة العيش إذا لم يوفرها لهم في سبيل تحقيق انتصارات في هذا الاتجاه، أو بمعنى أصح: التخلص من الـ"بُع بُع".
وحيث إن المارشال المدعوم من كافة رجال أعمال وأركان نظام مُبارك أخذها من قصيرها وتبنى خطاب "أنا مش قادر أديك.. أجيب لكم منين يعني ؟" من قبل أن يتولى مقاليد الحُكم أصلاً. فلا تضع أملاً في أن يوفر للناس لقمة العيش حتى ولو في سبيل أن يلتفوا حوله. وبهذا الشكل.. لم يتبق سوى الحل الآخر، وهو أن يستغل قضية ما كي يلتف الناس حوله، ويكون بقاؤها من بقائه.
بالطبع إن الذي أطبق الحصار على غزة في فترة المرحلة الانتقالية بعد رحيل الإخوان، وصرح بأنه يحترم "كامب ديفيد" والسلام مع إسرائيل، بل وإنه يريد التوسع فيه، لن يتخذ "القضية الفلسطينية" كمشروع وطني. خصوصاً بعد أن صارت –للأسف- "القضية الفلسطينية" سيئة السُمعة في مصر.. فصارت مُناصرتها سُبة !
أنسب قضية يُمكن استغلالها –وهو ما يحدث بالفعل- هي الأمن، أو "الإرهاب".. من خلالها يقبضون على الشباب الذي فجَّر ثورة الخامس والعشرين من يناير. يضغطون على المواطن المصري كي يتحمل فقره المدقع.
إنهم يتاجرون بآلام المواطن في سبيل ذلك، والمُريب.. إنهم لا يحلون تلك القضية ! –سبحان الله-
شئتم أم أبيتم.. فقد قامت ثورة نبيلة في الخامس والعشرين من يناير عام 2011. استشهد فيها ورد الجناين وهُم يهتفون بالذي هو محفور في قلوب ثوارها الأطهار إلى الآن:
عيش.. حُرية.. عدالة إجتماعية..
عيش.. حُرية.. عدالة إجتماعية..
علي هشام