الثلاثاء، 8 أكتوبر، 2013

مصر.. ع القهوة

جلست مع (مصر) على أحد مقاهي وسط البلد، وعندما سألتها "تشربي إيه؟"، أجابت "قهوة سادة وخلاص". أقلقتني كلمتها الأخيرة، لكنها ما إن لاحظت ملامح وجهي حتى فَسَّرت الكلمة، قالت إنها كانت تشربها "زيادة" زمان، لكنها باتت تشربها –سادة- لأن كُل شيء "مَسَّخ". طلبت مصر فنجانين بينما اكتفيت أنا بواحد.
أثناء انتظارنا المشروب.. قالت لي –مصر- أنها أدمنت القهوة هذه الأيام، فهي تحاول أن تتغلب بها على الاكتئاب الذي صار يجعلها تميل إلى النوم الفجائي بدون مقدمات، كما أخبرتني بأن عُمرها ما كانت تصدر غطيطاً وهي نائمة، الآن باتت تشخر كثيراً.
عندما وصلت القهوة، أخذت رشفة من الفنجان مصدرة صوتاً.. وأثناء كلامنا عن الدنيا بشكل عام، أبدت لي –مصر- نفورها من الرسوم الكاريكاتورية التي تملأ الصحف دائماً التي تجسدها في شخصية امرأة تبكي مرتدية عباءة بيضاء وخماراً فوق رأسها بألوان العلم الثلاث "الأحمر والأسود والأبيض" بينما يجلس بجانبها رجل بزي عسكري وآخر شرطي وبجانبهما شيخ وقسيس يكفكفون لها دموعها.. أبدت انزعاجها الشديد من الفكرة التي باتت مكررة ومبتذلة ومهروسة وماسخة زي القهوة السادة اللي بنشربها –كما قالت-. وأتمت كلامها: وبعدين.. إيه السهوكة دي ؟
وبالمناسبة.. قالت لي إنها مَلَّت من أغلب من يعيشون على هذه الأرض، وأنها قاطعت محطات التليفيزيون والجرائد.
أخذت رشفة أٌخرى من القهوة.. وضعت فنجانها، وقالت بوجه مكفهر: دي الأخبار بقت مقرفة ومكررة بشكل ممل يا أخي.
وقالت لي –مصر- إنها منعزلة هذه الأيام، مستمتعة بعزلتها. تقضي وقتها بين القراءة لتوفيق الحكيم وصلاح جاهين، وسماع الشيخ إمام وسيد درويش.. ناس من الزمن النضيف –مصر قالت لي كده-.
تنهدَتْ.. ثم سألتني "وانت عامل إيه ؟"، فأطلقت زفيراً وأخبرتها بأن لا داعي لهذا السؤال المحرج في هذه الأيام.
خَيَّم الصمت على النقاش لثوان.. فأطلقت مصر آهة باغتتني. ظننتها ستقول شيئاً مهماً، لكنها تابعت: آآآه.. القهوة دي صايصة قوي. ثم ضَحكَتْ بسخرية مريرة.. فضحكتُ أنا بدوري.
وعندما سألتها عن مُرشحها الذي ستنتخبه في الانتخابات الرئاسية القادمة، أطلقت –مصر- ضحكة رقيعة جلجلت في القهوة، ثم أسكتتني بإشارة من يدها، متمتة: ضحكتني وانا ماليش نفس، الله يخَيِّبَك.
وبمناسبة أنها أخبرتني بأنها تسمع الشيخ إمام في هذه الأيام، سألتها: "يا مصر.. لسة عددنا كتير؟".. فأجابت: "يعني انت سبت الأُغنية كلها ومسكت في دي؟".. فأخبرتها بأنني مش فاهم. فقالت: "أحسن برضه".
كما أخبرتني –مصر- برغبتها في الهجرة خارج البلاد، مبررة ذلك بأنها عايزة تسيب لنا كلنا البلد وتمشي. وكانت إجابتي بأن كلح وجهي وأطلقت بسملات وحوقلات متتابعة، واستفهمت: "حتى انت ؟ تهاجري برا مصر وتسيبي لنا البلد ازاي ؟ انت مصر!" فأشاحت بوجهها بعيداً متمتة بنبرة لا تخلو من تهكم: "مش قلتلك مانتاش فاهم أي حاجة.. اسكت بقى واشرب القهوة اللي زي وشك دي".
وعندما سألت مصر عن مانعها من الهجرة، أجابت مبررة: "مشاكل مادية مصيرها تتحل" !
يربت "عنبة" –القهوجي- بيده على كتفي، مردداً:
-          أستاذ علي .. أستاذ علي .. انت بتكلم نفسك ؟؟
اعتلدت في جلستي.. فَرَكْتُ عَيْنَيَّ،  فلم أجد أحداً يجلس أمامي.
لم أعرف حينها إذا كنت سأُحاسب على فنجان واحد أم ثلاثة.

علي هشام
نُشِرَت في "الموجز"

هناك تعليقان (2):

  1. هايل يا علي... استمر فلك مستقبل رائع في مصر...

    ردحذف
  2. خيالك خصب و روحك حلوة و دا أسلوبك اللي بتنجح بيه كل مرة :)
    عجبتني جدًا الفينالة .. اتعملت باحترافية عالية جدًا
    يا رب أشوفك من أحسن الناس دايمًا :)
    خلود كمال

    ردحذف