الأربعاء، 23 أكتوبر 2013

عشان احنا واحد

يقولون أن تعداد سكان مصر تخطى التسعين مليون نسمة، لكن رقعة اختلافاتنا الأيدولوجية اتسعت لأكثر من هذا العدد، ولا تتعجب.. ففي أم العجائب تجد أُناساً يحملون فكراً أيودولوجياً وعكسه، أو يتبنون مبدأً ونقيضه، كأن تجد فرداً يزعم أنه مدافع عن الحُريات والحقوق، وفي نفس الوقت يبرر باستماتة قتل واعتقال متظاهرين، بغض النظر عن انتمائهم. وعلى الصعيد الآخر.. تجد أُناساً يَدَّعون أنهم أبناء الفكر "الإسلامي" ويرمون آخرين بالكفر لمجرد أنهم مختلفون، بل ويحرضون عليهم ولا يمانعون من اللجوء للعنف، لكن أهم شيء.. ألَّا ينسوا تلك الابتسامة اللزجة التي ترتسم على وجوههم، وأن يُذَكِّروك بأنهم سمحين وأصحاب صدور متسعة لجميع الآراء المختلفة..
ويحضرني في هذا الموقف، الشيخ -أو الذي أطلقوا عليه شيخاً- الذي استُضيف على شاشة إحدى القنوات الإسلامية -أو التي أطلقوا عليها إسلامية- وسُئل عن جدوى قتل باسم يوسف، فابتسم وأجاب بوجه بشوش: ليس الآن !
لا تنس –عزيزي القارئ- أن تفكر جيداً في هوية من يقف بجانبك في أوتوبيس النقل العام ليزاحمك فيلتصق جسده بجسدك إن كانت المقاعد ممتلئة، فقد يكون ضابطاً مرتدياً الملكي، ربما يقتلك يوماً –عن قصد- إذا تظاهرت. أما إذا كنت موالياً للسلطة، فقد يقتلك –دون قصد- أثر وقوفك في بالكونة بيتك مثلاً أو مرورك في الشارع صدفة، فيضغط الباشا على الزناد قاصداً قتل أحد المعارضين، فتأتيك الرصاصة –غصب عنه والله- لتخترق جسدك معلنة عن وفاتك –ألف بعد الشر-. وحينها تُحَل القضية بتعويض لأسرتك قدره ألفين جنيه وكيسين إندومي. بافتراض أنه شرطي، وبما إنك كده كده ميت.. لا تخش مطلقاً من مزاحمته والاستماتة في توفير مكان مريح لك في النقل العام، بل والدعس على قدمه إن أحببت، هيحصل لك إيه اكتر من الموت يعني ؟
أما إن كان مدنياً بحق، فانس ما قلته بخصوص أنه سوف يقتلك بمسدس ميري، حاشا لله، فالأُستاذ ربما يقتلك بمسدس ملكي أو فرد خرطوش محلي الصنع ! أما عن انتمائه فتلك أمور هامشية، قد يكون مدنياً من الواقفين مع الشرطة –هذا المنظر الذي صار مألوفاً بالنسبة لنا منذ زمن-، أو يضربك من صفوف المتظاهرين، وفي هذه الحالة لا نعرف إن كان فعلاً من المتظاهرين أم إنه كائن غريب قد هبط من مكوك فضائي على أرض الحدث.
ربما يكون إنساناً ذو قلب ضعيف لا يقوى على المشاركة في الأحداث الدموية، وفي هذه الحالة سوف يتربع على كنبة بيتهم أمام التليفزيون، إما سيصفق لمقتلك إذا كان موالياً للسُلطة وقال الإعلام إنك من "الإرهابيين الوحشين"، أو سيمصمص شفتيه قائلاً:"يا حرام قتلوه الإرهابيين"، إذا قال الإعلام أنك من الأهالي الأبرياء الذي كانوا يتصدون للهجوم الإرهابي الغاشم.
اعلم أن القتل ليس ببعيد عن أحد منا، سواء تظاهرت أو لم تتظاهر، واعلم أن أُناساً سوف يسيرون فوق دمائك بأقدامهم، وآخرين سوف يتاجرون بدمائك ثم يبيعونها بعد ذلك بأرخص ثمن، وهناك من سيصفق لمقتلك، وثمة من سيزايد عليك، فالمزايدة صارت تجري في دماء الناس، حتى إنك إن قابلت أحدهم وقلت له: "وحشتني".. سيكون رده: "لا انت أكتر" !!
ويكتمل المشهد من الناحية العبثية.. بأن يأتيني وأنا جالس على مكتبي أكتب هذا المقال، صوت منبعث من التليفزيون لأُغنية مشجعة للمنتخب الوطني للتأهل لكأس العالم "عشان احنا واحد.. وهدفنا واحد" !
علي هشام





الثلاثاء، 15 أكتوبر 2013

الأمل في أن تطير الزرافة


لا ألوم على من عاد للهوس بكُرة القدم، ولا على من اختزل جميع أحلامه في أن يتأهل منتخبنا القومي لكأس العالم، مع إنه يعلم جيداً إننا لن نكسبه. لكن لا تتعجب، فإننا نحب خوض المعارك التي نخسرها من قبل أن تبدأ أصلاً.
ساعات تفصلنا على بداية مباراة منتخبنا القومي المصري مع نظيره الغاني، تجد أعلاماً مصرية خالصة مُعلقة على أبواب القهاوي، خليط من الحماس والتأهب يسيطر على الأجواء في مصر. أغلب الناس قد جردوا المباراة من كونها مجرد "ماتش كورة"، فتجد العديد من البشر حولوا الموضوع إلى قضية قومية.. مصير دولة.. مصر تنتصر.. ارجع شجع.. هيلا هوبا !
إذا تأهلنا لكأس العالم لن يتغير من وضعنا شيئاً، لن يرتفع سعر الجنيه المصري، لن يتحسن دخل المواطن –بغض النظر عن الفرحة التي ستنتابه عندما يرى محمد النني يلعب مع ميسي في نفس البطولة-. كذلك إذا تأهلنا لن تحدث أمور خارقة للطبيعة، فمثلاً لن تطير الزرافة، ولن يتحدث عدلي منصور في السياسة، ولن يكف السيسي عن كتابة رسائل غرامية للشعب.
يُحكى أنه في أحد الحوارات الوهمية التي دارت مع الرئيس البرازيلي "لولا دا سيلفا"، سُئل عن السر وراء نهضته بالبلد، فأجاب: "الحمد لله ربونا وفقنا عشان الجامهور الكبير دهون خدنا التلاتة بونت.. مشينا ورا تعليمات الخواجة ولعبنا أربعة أربعة اتنين" ! 
وبما أن المصريين يحاولون إخبار العالم بأن الكُرة هي ترمومتر التقدم، ولا دولة تقدمت سوى بالكُرة. يُذكر أنه عندما سُئل الرئيس "ميخائيل جورباتشوف" عن سر انهيار دولته –الاتحاد السوفيتي-، أجاب: "معلش أصل معندناش باك ليفت " ! 
لكن أعتقد أن هناك استثناءات لتلك القاعدة، لماذا لم تنهض ليبيريا رغم أن خط هجومها كان يتصدره اللاعب "جورج وايا – أفضل لاعب كرة قدم في العالم عن سنة 1995" ؟ ربما لذلك اتجه وايا لممارسة السياسة بعد اعتزاله الكُرة.
وبمناسبة أن الكُرة تتحكم في كل شيء، لماذا لم نرَ محمد مُرسي يقول بعد عزله: "ألف مبروك للفرقة الكسبانة، وهارد لاك لفرقتنا" ؟!
في مصر لا تجد فقط اليائسين يريدون اقناعك بأن الكُرة هي المصدر الوحيد للفرحة والتقدم، السُلطة أيضاً تُريد اقناعك بذلك، هل تتذكر عندما دهست مدرعات الجيش المتظاهرين أمام ماسبيرو، فبرر السادة المسئولين ذلك بأنها "نرفزة ملعب" ؟ 
إليك عزيزي الذي قرر أن يتفرغ لكُرة القدم:

أعلم جيداً أنك لجأت لهذا الحَل بعد أن يئست من وجود أية مصادر أُخرى للفرحة في مستنقع الخراء الذي نعيش فيه.. لكن أرجوك، لا تنكس الأعلام بعد انتهاء المباراة... على الأقل.
علي هشام

15 أكتوبر 2013

الثلاثاء، 8 أكتوبر 2013

مصر.. ع القهوة

جلست مع (مصر) على أحد مقاهي وسط البلد، وعندما سألتها "تشربي إيه؟"، أجابت "قهوة سادة وخلاص". أقلقتني كلمتها الأخيرة، لكنها ما إن لاحظت ملامح وجهي حتى فَسَّرت الكلمة، قالت إنها كانت تشربها "زيادة" زمان، لكنها باتت تشربها –سادة- لأن كُل شيء "مَسَّخ". طلبت مصر فنجانين بينما اكتفيت أنا بواحد.
أثناء انتظارنا المشروب.. قالت لي –مصر- أنها أدمنت القهوة هذه الأيام، فهي تحاول أن تتغلب بها على الاكتئاب الذي صار يجعلها تميل إلى النوم الفجائي بدون مقدمات، كما أخبرتني بأن عُمرها ما كانت تصدر غطيطاً وهي نائمة، الآن باتت تشخر كثيراً.
عندما وصلت القهوة، أخذت رشفة من الفنجان مصدرة صوتاً.. وأثناء كلامنا عن الدنيا بشكل عام، أبدت لي –مصر- نفورها من الرسوم الكاريكاتورية التي تملأ الصحف دائماً التي تجسدها في شخصية امرأة تبكي مرتدية عباءة بيضاء وخماراً فوق رأسها بألوان العلم الثلاث "الأحمر والأسود والأبيض" بينما يجلس بجانبها رجل بزي عسكري وآخر شرطي وبجانبهما شيخ وقسيس يكفكفون لها دموعها.. أبدت انزعاجها الشديد من الفكرة التي باتت مكررة ومبتذلة ومهروسة وماسخة زي القهوة السادة اللي بنشربها –كما قالت-. وأتمت كلامها: وبعدين.. إيه السهوكة دي ؟
وبالمناسبة.. قالت لي إنها مَلَّت من أغلب من يعيشون على هذه الأرض، وأنها قاطعت محطات التليفيزيون والجرائد.
أخذت رشفة أٌخرى من القهوة.. وضعت فنجانها، وقالت بوجه مكفهر: دي الأخبار بقت مقرفة ومكررة بشكل ممل يا أخي.
وقالت لي –مصر- إنها منعزلة هذه الأيام، مستمتعة بعزلتها. تقضي وقتها بين القراءة لتوفيق الحكيم وصلاح جاهين، وسماع الشيخ إمام وسيد درويش.. ناس من الزمن النضيف –مصر قالت لي كده-.
تنهدَتْ.. ثم سألتني "وانت عامل إيه ؟"، فأطلقت زفيراً وأخبرتها بأن لا داعي لهذا السؤال المحرج في هذه الأيام.
خَيَّم الصمت على النقاش لثوان.. فأطلقت مصر آهة باغتتني. ظننتها ستقول شيئاً مهماً، لكنها تابعت: آآآه.. القهوة دي صايصة قوي. ثم ضَحكَتْ بسخرية مريرة.. فضحكتُ أنا بدوري.
وعندما سألتها عن مُرشحها الذي ستنتخبه في الانتخابات الرئاسية القادمة، أطلقت –مصر- ضحكة رقيعة جلجلت في القهوة، ثم أسكتتني بإشارة من يدها، متمتة: ضحكتني وانا ماليش نفس، الله يخَيِّبَك.
وبمناسبة أنها أخبرتني بأنها تسمع الشيخ إمام في هذه الأيام، سألتها: "يا مصر.. لسة عددنا كتير؟".. فأجابت: "يعني انت سبت الأُغنية كلها ومسكت في دي؟".. فأخبرتها بأنني مش فاهم. فقالت: "أحسن برضه".
كما أخبرتني –مصر- برغبتها في الهجرة خارج البلاد، مبررة ذلك بأنها عايزة تسيب لنا كلنا البلد وتمشي. وكانت إجابتي بأن كلح وجهي وأطلقت بسملات وحوقلات متتابعة، واستفهمت: "حتى انت ؟ تهاجري برا مصر وتسيبي لنا البلد ازاي ؟ انت مصر!" فأشاحت بوجهها بعيداً متمتة بنبرة لا تخلو من تهكم: "مش قلتلك مانتاش فاهم أي حاجة.. اسكت بقى واشرب القهوة اللي زي وشك دي".
وعندما سألت مصر عن مانعها من الهجرة، أجابت مبررة: "مشاكل مادية مصيرها تتحل" !
يربت "عنبة" –القهوجي- بيده على كتفي، مردداً:
-          أستاذ علي .. أستاذ علي .. انت بتكلم نفسك ؟؟
اعتلدت في جلستي.. فَرَكْتُ عَيْنَيَّ،  فلم أجد أحداً يجلس أمامي.
لم أعرف حينها إذا كنت سأُحاسب على فنجان واحد أم ثلاثة.

علي هشام
نُشِرَت في "الموجز"

الاثنين، 30 سبتمبر 2013

حينما تموت محظوظاً


التاريخ: الثلاثون من سبتمبر/ أيلول عام ألفين، أي في مثل هذا اليوم الذي أكتب فيه، في ثالث أيام الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
المكان: فلسطين.. تحديداً: قطاع غزة.. وتفصيلاً: شارع صلاح الدين.
ولدٌ يبلغ من العُمر اثنتي عشرة عاماً اسمه "محمد جمال الدُرة"، يحتمي في ظهر أبيه المُحتمي خلف برميل أسمنتي، بعد وقوعهما في معمعة تبادل إطلاق نيران بين جنود الاحتلال الإسرائيلي وقوات الأمن الفلسطينية، يشير الأب بكفه للجنود بوقف اطلاق النار، وفجأة اشتدت النيران وركد الصبي على ساقي أبيه، مُعلماً إيانا باستشهاده برصاص الاحتلال.
مُفزع ومُبكي أن اضطر لقَص حكاية "محمد الدرة" في بداية مقالي حينما أقرر أن أكتب عنه. ثمة أُناس يعيشون معنا في نفس الوطن لم يسمعوا هذا الاسم من قبل أصلاً ولا هذه القصة التي تقشعر لها الأبدان، ربما تصادف أن شاهدوا على الفيس بوك صورة للـ"درة" لا يعلمون من صاحبها، ولم يهتموا بمعرفته أصلاً.
في رأيي أن "محمد الدُرة" محظوظ لأسباب شتى.. ليس فقط لإنه نال شرف الشهادة –هكذا نحتسبه والله حسيبه-، وليس فقط لأنه الآن في جنان خُلد الرحمن..
محظوظ ذلك الصبي لأنه لم يعش على هذا الكوكب أكثر من اثنتي عشرة سنة. ولأنه مات طفل بقلب أبيض، قبل أن تدنسه الحياة كما تفعل في الناس بطبيعتها.
محظوظ "محمد الدرة" لأنه ترك بلاده وذهب إلى الجنة قبل أن يشهد صراعات ونزاعات "فَتح وحماس"، المنشغلان في الصراع على كراسي السلطة بينما يبني المحتل مستوطنات جديدة ويُهجِّر أصحاب الوطن والأرض.
محظوظ ذلك الشهيد لإنه لم يعش إلى اللحظة التي يتولى فيها "محمود عباس" رئاسة فلسطين، ذلك الذي اعترف بالمحتل كـ"دولة"، وتنازل عن حَق العودة.. تنازل حتى عن "صفد – مسقط رأسه". ويواصل الدعس يومياً على دماء الشهداء.
محظوظ ذلك الشهيد لأنه لم يعش أكثر من ذلك بين العرب، وبالتالي لم يشهد أكثر من ذلك خذلاناً ونسياناً للقضية.
محظوظ لإنه لم يشهد اللحظة التي يتاجر فيها فصيل –وصل للحكم يوماً- في مصر بآلامه، فيرد عليه معارضوه بالتشهير بفلسطين وشعبها والدعوة للتخلي عن القضية.. ليست فلسطين أسعد حالاً في أي الوضعين.
الشهيد محظوظ، لإنه لم يستمر في هذا العالم القميء أكثر من ذلك، وسافر إلى عالم آخر.. أفضل.
علي هشام
30 سبتمبر 2013


الثلاثاء، 17 سبتمبر 2013

البقية في حياتهم


تحدق في وجه مذيعة نشرة الأخبار فاتنة الجمال، تصوب نظرك نحو عينيها العسليتين، تنظر لشفتيها المتلامستين ناطقة ميماً مفتوحة، تتباعد الشفتان ناطقة حرف القاف ساكناً، يخرج اللسان لتنطق تاءً مفتوحة، ثم تتباعد الشفتان مرة أُخرى ويلتصق اللسان بالحلق لينطق لاماً: (مَــقْــتَــل..).
تنظر للوجه كله مرة أُخرى.. تتأمله، وتشير في بالك إلى أنك تحب النساء اللواتي يضعن مساحيقاً خفيفة غير واضحة لتُظهر وجههن طبيعياً كما خلقه الخالق.
تخفض صوت التلفاز قليلاً، تشيح بوجهك بعيداً عن شاشته.. بعد أن تستأذن المذيعة بإشارة من يدك في الالتفات لالتقاط هاتفك النقال للرد عليه لتتلقى خبر وفاة أحد أعز أصدقائك المرافقين لك دائماً في المظاهرات والاشتباكات:
"تملأك الحسرة ويتبدد بك الحزن"
-         إيه ؟! بتقول إيه ؟! مات !! ازاي ؟؟ ده حتى مفيش اشتباكات النهارده .....!!
-         مات موتة ربنا.. عادي.
تومئ متفهماً بعد أن يهبط شعورك بالحسرة والأسى إلى المنتصف:
-         ممم.. الله يرحمه. الجنازة امتى؟؟
تذهب إلى صلاة الجنازة، تتذكر صديقك. تدعو له وتذرف دموعاً بحُرقة. وفجأة وانت تكفكف دموعك بالمنديل الورقي.. تشعر بالعار لكونك تبكي على شخص مات حتف أنفه، لم يقتل بالخرطوش أو الرصاص الحَي أو خنقاً بالغاز.
---

"لقد خلقنا الإنسان في كَبَد" – صدق الله العظيم
خُلق الإنسان في كَبَد، تعب ومشقة. لم يشترط –عز وجل- أن يكون من ضمن هذا الكَبَد: السياسة و"قرفها" !
يبدو أن ثمة حياة أُخرى تُعاش على هذا الكوكب غير ما نعيشها نحن.
---
حين تختزل حياتنا ونقاشاتنا في ذلك الاختراع المُسَخَّر لخدمة أطباء الأمراض النفسية والعصبية "السياسة". حين ينسى الأصدقاء أن ثمة أشياء أُخرى تدعو للمخاصمة غير الاختلافات الأيدولوجية. حين تمر كلمة (مقتل) أمام أعيننا مرور الكرام كل يوم في نشرة الأخبار بينما يتغزل الرجال في جمال المذيعة، والنساء في أناقة الـ"شيميز" التي ترتديه. حين ننسى أن ثمة أسباب كثيرة لموت الإنسان غير الدهس والحرق والقنص والخنق بالغاز في عربة الترحيلات. حينما نشعر بالعار عند الالتفات عن السياسة، حتى ولو للحزن على صديق مات، (موتة ربنا)..
علينا أن نعلم، أننا قد متنا قبل الأوان.
عزيزي  القارئ.. اعطني يدك، دعني أربت عليها، ثم...
البقية في حياتهم.
علي هشام
18 سبتمبر 2013

الجمعة، 13 سبتمبر 2013

ثورة أحلى حتة في الفرخة

دعوني أبدأ مقالي متفائلاً، على سبيل (جر الرجل) بلغة التجار الدارجة -باعتبار أنني بائع نصوص طازة-، لكني لا أعدكم بأن أنهيه هكذا، قد تكون نهاية متشائمة.. ربما متفائلة.. أو متشائلة.

الثورات لا تموت.. ببساطة لأنها لا تولد، هي في الدم !
أعتقد أن الإنسان كما تجري في دمه كرات دم حمراء وخلايا بيضاء.. تسري "الثورة" في عروقه، ولكن ذلك بشرط أن يكون لديه دم أصلا !

 ثورة الإنسان -اللي عنده دم- تتجسد في أشياء كثيرة لا حصر لها. مثلا وأبسطها.. عندما كان جالساً مع أبويه وهو صغير على الغداء، هب في يوم مجيد ليلتقط "أحلى حتة في الفرخة"، كاسراً سلطوية الأب الذي يستأثر بها كل يوم.. وحين يتقدم به العمر، يترك المكتب الذي يعمل به، رغم سوء الحالة المادية، متمرداً وثائراً على مديره السئيل -واللي يحصل يحصل-. تكتمل الحكاية في يوم بأن يشارك في مظاهرات حاشدة تسقط رأس نظام الحكم.

لكن عندما تتحدث عن مصر.. فعليك أن تنحي أفكارك وتأملاتك ودراساتك السياسية جانباً.
تأكد أن السياسة لا تعرف سبيلا لأم العجائب. أما عن ما يطلق عليها في مصر "سياسة".. فأعتقد أننا نشير على منطقة في أسفل الظهر تطلق روائح كريهة.

يبدو أن ثورتنا الجميلة تنازع وتصارعم الموت في مستنقع الشر الذي نعيش فيه، والمؤسف أننا لا نأمل في أبعد من أن تنتطق المرحومة الشهادتين قبل الموت. "كان ممكن الثورة تموت موتة أحسن من دي بكتير".

علينا أن ننزل إلى الشارع ونرتب لثورة حقيقية أخرى. حتماً لن تأتي قريبا، المهم أنها -حين تأتي- تعصف بكل من قتل أو غدر أو أفسد.

ثمة أناس شرفاء سينزلون إلى الميادين بعددهم القليل ليعلوا صوت الحق، سيطالبوا بحقوق جميع الشهداء.. القدامى والجدد ومن سوف ينضمون لقائمة المغدورين، مستقبلاً. سيتكلمون وينزلون حين يستقر الآكلون على كل الموائد والأوغاد في مواقعهم التي اعتدنا عليها.. فقط حتى لا يختلط الحابل بالنابل.
13 سبتمبر 2013
علي هشام.


الثلاثاء، 20 أغسطس 2013

أصل الإنسان – من وحي الواقع المهبب


سواء اتفقنا أو اختلفنا مع ذلك، علينا جميعاً أن نعترف بأن الدولة الآن في أشرس حالاتها. أعتقد أننا لم نشهدها كذلك منذ عقود.
المتفق مع هذا يبرهن موقفه بأن الدولة تُجابه الآن حفنة من الإرهابيين ولا يجوز التعامل معهم إلا بقبضة من حديد، أما عن من يموتون برصاصة طائشة عن طريق الخطأ.. فيا سيدي "لو كويس هيدخل الجنة، لو وحش هيدخل النار، واهو استريح من الدنيا وقرفها".
أما قيادات الإخوان، الذين لم يتبق منهم سوى "حسن البنا – له من الله ما يستحقه" لم يعتقل. فيقولون أن الدولة ديكتاتورية ومُجرمة ومتوحشة ! مع إننا، وهم أيضاً، نعلم جيداً أنهم ليس لديهم أدنى مُشكلة في ممارسة الديكتاتورية والإجرام والتوحش، كما تمارسه السُلطة الحالية، إذا كان ذلك يخدم مصالحهم.
نتيجة لجميع ما سبق.. نتأكد أن الإنسان أصله كائن "مبرراتي ملَزَّق" يشبه في تكوينه البدني: ممدوح فرج، وفي تكوينه الذهني: علاء صادق. يتغدى على الفول السوداني ويقضي حاجته أمام كاميرات الإعلام حيثما وجدت، يقتل فراغه بممارسة "التسلق".
---
-          إخواني: إذا عاد مرسي سوف نضع الـ"تيييت" في "تييييت" فلان.. ونُجلس فُلان على الـ"تييييت".. أما عِلان هذا، فسوف نضع الـ"تيييت" في صرصور أذنه.. وترتان سنكتفي بإجلاسه نصف ساعة مع "وجدي غُنيم" في غرفة مغلقة بالضبة والمُفتاح.

يتوعد الإخواني كل هؤلاء بعد أن تنتهي المعركة بانتصاره –كما يتوقع-، بينما يُمارَس ضده الآن ما يتوعد هو به هؤلاء، وهو مش واخد باله.
مما يدل على أن الإنسان أصله كائن سادي متوحش يُشبه "خالد عبد الله" وفي نفس درجة ذكائه.
---
يصفق أحدهم في مرح لقوات الأمن على غرار قتلهم لـ 36 مُتهماً أعزلاً في عربة الترحيلات.يُهلل آخر ويكبر لبعض الناس المجهولين على اغتيالهم لـ24 مُجنداً ليس لهم ذنباً في أي شيء من الأحداث الجارية.
مما يؤكد.. أن الدم أصبح في كل موضع في بلادنا، عَدا العُروق.
الناس باتوا بُلا إنسانية، وأصبحنا نعيش في "مزبلة" كبيرة..
أخشى أن يكون أصلنا  كائناً عجيب الأطوار، يجري في عروقه سائل أحمر، يبدو أنه "صلصة".
علي هشام
20 أغسطس 2013